الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار)  ثقافة الاستهلاك
 
 
 

في "قصة الحضارة/عصر فولتير" يذهل القارئ لقدرة المؤلف ويل ديورانت على الإحاطة بكل ما رافق عصور التنوير في أوربا من مظاهر في شتى المجالات الفنية والفكرية والسياسية والدينية وغيرها, ولعل هذا هو منواله الذي نسج عليه باقي الأجزاء, ولقد كان برنارد دي ماندفيل مؤلف كتاب "رذائل خصوصية مزايا عمومية" أحد الذين أشار إليه ديورانت في ذلك العصر بشقّه طريقاً مخالفاً للثوابت الدينية آنذاك عندما راح يكيل المدح للانحطاط الأخلاقي الفردي لأنه هو الذي مكّن المجتمعات البشرية من العيش وفق منظومات نفعية قائمة على العلاقات المتبادلة؛ ولقد قام أمبيرتو غامبرتي في كتابه (رأس المال والرذائل الجديدة) ببعث أفكار مانديفل مشيراً إلى الكبائر الجديدة في عصرنا والتي يأتي على رأسها الخواء وثقافة الاستهلاك؛ وليس هدف المقال الإيغال في تحليل الحضارة الأوربية القديمة أو الحديثة, لأن ما نراه في مجتمعاتنا لا يفترق بحال عمن نتبعهم شبراً بشبر وذراعاً بذراع في الأمور الاستهلاكية والملذات وليس بالأمور العلمية ومعالي الأمور؛ والحق يقال إن مجتمعاتنا تخلت عن روح الإسلام الحقيقية وهي الروح التي اعتمدت التضحية بالمال والنفس في سبيل الله ونجحت بتأسيس مجموعة أخلاقية خلّدها الله سبحانه في سورة الحشر بمثال المهاجرين والأنصار.

لا يحق لنا طلب إعادة المثال التاريخي لأنه أصبح بعيد المنال, لكن مهمتنا جميعاً أن نرفع واقع مجتمعاتنا إلى مستوى الواجب والمثال تدريجياً, وبالنظر لما يحدث الآن في مجتمعاتنا العربية فإننا نجد أن الاستهلاك لم يعد طابعاً فردياً بل أصبح سمة اجتماعية؛ فكل ما حولنا يشجع على سلوكيات الاستهلاك, وأعتقد أننا جميعا نتحمّل وزر تكريس هذه السلوكيات بشكل أو بآخر؛ سواء كان ذلك في الأسرة أو المدرسة أو المؤسسات المصرفية أو المراكز التجارية أو وسائل الإعلام أو المخططات العمرانية الاستهلاكية للمدن الحديثة؛ كل ذلك وغيره يجعل كلمة "أكثر, أكثر, أكثر" هي العنوان الكبير للثقافة السائدة, لكنها للأسف "أكثر" في الإنفاق والاستهلاك, وليست "أكثر" في المعرفة والإنتاج.

تبدأ شخصية الإنسان بالتكوّن منذ أول يوم للولادة, وخلال السنوات الأربعة الأولى من حياة الطفل تتشكّل ملامح شخصيته الأساسية, ويخطئ الوالدان عندما يعوّدان الطفل على الدلال وتلبية كل الرغبات لأنه ينشأ جاهلا لقيمة الأشياء, فبمجرد أن يشتري له والده لعبة مثلا يطلب لعبة أخرى فتذهب اللعبة الأولى إلى سلة الزبالة, ثم يكبر حاملا نفس الاتجاهات الشخصية, ففي المراهقة يجب أن يقتني الهاتف المحمول الأحدث, وفي الشباب ينبغي أن تكون سيارته هي الأفضل؛ وبالطبع فإن الأصدقاء لهم تأثير كبير بالتباهي بالأشياء الجديدة, وبذلك تبتعد الأسرة - التي هي نواة المجتمع - عن روح حضارة الإسلام التي وصفها مالك بن نبي رحمه الله بحضارة الأفكار مقارنة بحضارة الغرب التي وصفها بحضارة الأشياء, وذلك عندما قارن بين قصة حي بن يقظان وقصة روبنسن كروزو, فاشتغل حي بن يقظان على التساؤل والتفكر بينما عمل روبنسن كروزو على بناء كوخ وصنع طاولة.. إلخ؛ وربما لو قُدِّر لمالك أن يبقى حياً إلى الآن ويرى الخواء الذي يعشّش في عقول بعض الشباب العربي لما وجد كبير فرق بين الحضارتين العربية والغربية, هذا إذا لم يجد أننا لا نستحق بوضعنا الحالي اسم "حضارة" بسبب ما نحن فيه من تطفّل على موائد الآخرين.

دور المدرسة في تأسيس قيم الاستهلاك والشراء ليس بأقلّ من دور الأسرة, فالدفاتر يجب أن تبدّل كل فصل دراسي مع أن بعضها – أو أغلبها – لم يستعمل منه إلا القليل, والكتب تُرمى في حاويات الزبالة أمام المدرسة بمجرد أن ينتهي الامتحان دون أن يتعلّم الجيل المحافظة على الكتاب ودون أن يتذكّر بأن هناك من يتمنى صفحة واحدة ليقرأها, ناهيك عن حفلات التخرج التي لم تعد تقام بالمدارس بل في الفنادق وصالات الأفراح, خاصة بالنسبة للبنات, كأن خريجة المرحلة الثانوية قد أتت بما لم يستطعه الأوائل؛ أما الأنكى من ذلك فهو ما تقوم به بعض المدارس العالمية من تقليد كثير من العادات الغربية, فتخصّص مثلا يوماً اسمه يوم البيجاما يفرض فيه على التلميذ أن يأتي إلى المدرسة بثياب النوم, ويتنافس الأولاد – والبنات – في هذا "الاختراع" العجيب الذي اسمه البيجاما, فإذا كان الغربيون - الأمريكيون تحديداً – يعملون من الحبة قبة كما يقول المثل فيحتفلون بعيد الهالووين والديك الرومي وغير ذلك, وقد يكون مقصدهم إحياء التجمع الأسري والتضافر الاجتماعي, فما بالنا نحن نقلدهم بيوم للبيجاما ولا نحتفل بيوم الأم ولا بيوم للمعلم ولا حتى بالمرور على عيد المولد النبوي ولو بمجرد التذكير بشيء من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام وشمائله؟

حدِّث ولا حرج عن الإعلانات وحيلها المتلاعبة بعواطف الناس خصوصاً غير الناضجين منهم, وللإعلام المرئي سلطة فائقة على جذب المشاهد للسلعة المعروضة وذلك عبر تشابك آليات الصوت والصورة من أجل التأثير على أكبر عدد ممكن من المشاهدين, ولكن صور الإعلان المبثوثة في كل مكان ليست بأقل تأثيراً رغم خلوّها من الصوت والحركة, فالتكرار يجمّل فكرة الحصول على المنتج بطريقة لاشعورية, لاسيما عندما تكون الصور فيها حبكة لغز, ومن المعلوم أن الإعلان يجب أن يثير تساؤلا في نفس الإنسان عن هذا المنتج, على سبيل المثال: في فترة قريبة ماضية امتلأت الشوارع بصورة مراهق يدخل يده في علبة – أو شيء مشابه للعلبة – وفوق رأسه جملة تقول: أبغاها كلها, وبشكل عادي فإن أي فرد سوف يتساءل: ما هي "هذه" التي يريدها؟ وأما الناس الأكثر نضجاً فسوف ينتبهون للرسالة المتضمنة في الإعلان والتي توحي بأن هذا المراهق مدفوع وراء رغباته حتى الثمالة, أفليست هذه الصورة تشجّع المراهقين الآخرين على أن يكونوا مثل صاحب الصورة المصمّم على أن ينال كل ما يريد, خاصة مع حركة اليد الداخلة بكل قوة في الأسفل والتي توحي بأن غريزة النهم والطمع ستكون نمطاً حياتيا فردياً ونسقاً اجتماعياً ثقافياً.

من مثال صورة المراهق هذه وغيرها من الصور المماثلة نستطيع أن نستنتج كثيراً من الوسائل الأخرى التي تتبعها الإعلانات لاختراق عقل الإنسان ودفعه للشراء, وكأنما يربطها كلها العزف على وتر واحد هو وتر الحاجات الإنسانية المختلفة, فالحاجة إلى تقدير الذات تظهر من خلال استخدم معجون أسنان ما فابتسامتك المشرقة ورائحة الفم ونصوع الأسنان ستجعلك جذاباً ساحراً؛ ومنها الحاجة إلى الحب فإذا كنت جذاباً ساحراً فستكون محط إعجاب الجنس الآخر؛ ومثلها الحاجة إلى الانتماء الأسري فالأسرة المتماسكة حسب الإعلان هي الأسرة التي تتناول هذا الطعام, والأم المثالية هي التي تستخدم مسحوق الغسيل المعين, ولكن يجب ألا يغيب عن بالنا التأثيرات الأسوأ لبعض الإعلانات التي تساوي بين المنتج والإنسان مثل ذلك الإعلان الذي يتحاور فيه الحفيد والجد حول منتج يجب الوفاء له دائماً وعندما يسأل الحفيد عن جدته يخبره الجد بوجوب الوفاء للجدة أيضاً, فالجدة أصبحت مثل علبة الحليب أو كيس الشاي, ونفس التأثير تحمله الإعلانات المعززة لقيمة للانتماء الجماعي, ويتبدّى ذلك في الإعلانات التي تعتمد على ظهور مجموعات كبيرة من الناس يتوقون لشراء منتج معين, أو للتعامل مع بنك مخصص, وقد يكون الانتماء المعلن عنه هو الانتماء للنخبة – المادية طبعاً - كما هو الحال في إعلانات الملابس والعطور والسيارات, فكلما اقتنيت أكثر كلما كنت مميزاً أكثر حسب السياسات الإعلانية الجديدة, مما يحوّل الإنسان لمخلوق نهم لا يشبع من الاقتناء والشراء متلّهف لكل جديد؛ ولا ننسى ما يحصل من اتفاقات غير معلنة بين الإعلام والمراكز التجارية الكبرى لزيادة الرغبة في الشراء والتنافس المحموم فيه, إضافة إلى التخفيضات المصطنعة التي تصيد الزبائن, ودور المؤسسات المصرفية التي تسهل القروض والشراء بالتقسيط؛ ولو أن الأمر اقتصر على ما يلزم اقتناؤه فلا بأس, لكن المريع في الأمر أن يثقل الشخص كاهله بالديون لا لشيء إلا من أجل تقليد حياة الأثرياء.

 تعزيز نزعة الاستهلاك في المجتمع يعني ترسيخ نزعة فردية أنانية صرفة معاكسة للقيم الإنسانية والدينية التي تقضي أن يفكر الإنسان بأخيه الإنسان فيندفع باتجاه تخصيص جزء من ماله لأفعال الخير التي تساعد على النهوض بحياة البؤساء والفقراء؛ وهكذا فإن التساؤل الذي أطلقه أمبيرتو غامبرتي في كتابه المشار إليه ببداية المقالة عن الكيفية التي استطاع بها المجتمع الأوربي أن يصوغ ثقافته الحديثة المتميزة بالمستوى العالي من الرفاهية جنباً إلى جنب مع تعاليمه المسيحية التي تحض على الزهد وإنكار الجسد والابتعاد عن ملذات الحياة الدنيا؛ يمكن أن يكون مستفزاً لسؤال مشابه في مجتمعاتنا الإسلامية.

الوطن السعودية 2/4/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |