|
أوردت
صحيفة الوطن في عددها ليوم الاثنين الماضي 12/3/2007 خبراً مفاده اقتحام مجموعة من
أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمستشفى الأمير سلمان غرب الرياض, حيث
ركب اثنان منهما سيارة كامري مظللة تظليلا كاملا بدون شعار لأي جهة حكومية اقتحمت
بسرعة بوابة المستشفى الرئيسية عاكسة السير, وكادت تصطدم بعجوز تدفعها ابنتها على
كرسي متحرك لولا أن البنت حرفت الكرسي بسرعة لتفادي الاصطدام, وذكر الخبر تهجّم
أحدهما على رجل الأمن ومسكه من حزام البدلة وأمره أن يركب معه بينما قام الآخر
بإمساكه من الرقبة وقطع أزرار القميص؛ وفي الخبر أيضا أن أحدهم سحب بطاقة المشرف
على وردية الحراسة المعلقة على قميصه ورماها على الإسفلت, ودلّت شهادة بعض شهود
العيان على ممارسات خاطئة أخرى لعضوي الهيئة ومن ساندوهم فيما بعد, كالتلفظ بكلمات
مستهجنة وتهديد بالفصل من العمل, وانتهى الخبر بتبريرهم عملية الاقتحام بأنه
يطاردون رجلا داخل حرم المستشفى يشتبه بحيازته مواد مخدرة.
قبل قراءتي لهذا الخبر بيوم كانت قريبتي التي تدرس
بالسنة الثانوية الأخيرة في مدرسة أهلية قد اتصلت بي
ترجو مني الكتابة عما حدث معها وزميلاتها أثناء رحلتهن
المدرسية إلى المدينة المنورة, فبعد قيامهن بواجب
زيارة الحرم الشريف ذهبن مع المشرفات لتناول الغذاء في
مطعم ثم دلفن منه إلى مقهى قريب لتناول بعض المرطبات,
وكان للمقهى باب واحد يدخل منه العزاب والعائلات مع
تخصيص الطابق العلوي للعائلات - والإناث – كما هي
العادة في كثير من المطاعم والمقاهي, وبينما كانت
الفتيات سعيدات بهذه التجربة التي يقمن بها لأول مرة,
قام بعض من يدّعون أنهم رجال الهيئة بالدخول عليهن
حتى وصلوا للحمّامات, وعندما حاولت المشرفة منعهم بسبب
وجود بعض الفتيات هناك؛ برّر أولئك الأشخاص تصرّفهم
بأنهم شاهدوا فتيات يدخلن من الباب المخصص للرجال,
وأكدّ صاحب المقهى أن كلامهم غير صحيح وربما خيّل لهم
أن الفتيات اخترقن الجدار حيث لا باب إلا باب واحد؛
ومع ذلك لم يكلِّف أولئك الأشخاص أنفسهم عناء الاعتذار
الذي كان عليهم تقديمه إزاء الرعب الذي بثّوه في نفوس
الفتيات وهم يأمرونهن بتغطية وجوههن مع أن تغطية الوجه
أمر مختلف عليه فقهياً.
في قصة مشابهة عن خلل ممارسات الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر في المدارس وصلتني أمس رسالة الكترونية من
أب يطلب مني الكتابة عن موقف حدث لابنته التي تدرس في
الصف الثاني المتوسط, إذ قامت معلمة الدين بإيقاف
البنات واحدة واحدة وسؤالهن إن كن سيحفنّ حواجبهن في
المستقبل أم لا وكل واحدة أجابت بنعم لعنتها وبشرتها
بالنار لأن الرسول لعنها مقدما قبل 1400 سنة – حسب رأي
المعلمة - والمشكلة التي طلب مني الأب مساعدته في
حلّها أن ابنته أصبحت تعيش حالة صعبة من التناقض
والخوف, ففي الوقت الذي ترى أمها تحفّ حواجبها فإن
المعلمة تلعن أمها وخالاتها وهي صامتة لا تستطيع أن
تبدي أي تساؤل أو حتى نقاش.
كنت في مقالة سابقة بعنوان (الشباب بين الوصاية
والغواية) قد أشرت إلى أسلوب الهيئة بالتعامل مع
الشباب, وكي لا يظنّ بي التحامل على الهيئة وقتها ذكرت
نموذجاً رائعاً قدّمه أحد المطوّعين في المستشفى الذي
كنت أعمل به في منطقة القصيم, وهذه توطئة أخرى هنا
ليعلم من يريد أن يصطاد بالماء العكر أني لا أقصد
الانتقاص من دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
بل على العكس من ذلك أنا أعتقد أن الجهود التي تبذلها
لا ينكرها إلا جاهل أو جاحد, بما فيها تلك الجهود التي
تهدف إلى تطهير المجتمع من الرذيلة وكشف أوكار الدعاة
ومرتكبي الموبقات وصانعي الخمور إلى غير ذلك من مهمّات
الهيئة التي تساهم بحفظ حقوق الأفراد وتحافظ على أمن
المجتمع, ولا يغيب عن بال أحد أن مبدأ الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر مذكور في آيات قرآنية وأحاديث نبوية
تدلّ على أن خيرية الأمة المسلمة كامنة في هذا المبدأ
الذي يجنّب المجتمع سخط الله وعذابه, ويسهم في تكوين
رأي عام فاضل, ويحافظ على أمن المجتمع واستقراره,
ويبثّ روح الإخاء بين أفراد المجتمع, كما أنه يحافظ
على حقوق الأفراد ويعزّز قيم الخير في الناس عموماً
والناشئين خصوصاً, إذ إن تكرار المنكر والسكوت عليه قد
يتسبّب في نوع من الألفة مما يؤدي إلى اعتقاد النشء
أنه عادة مباح فعلها, وهذا ما نلاحظه أحياناً من بعض
المراهقين حيث يقفون في الطرقات يتربّصون للمارة –
خاصة النساء - كتربّص الذئب للفريسة, وكأن أحداً لم
يعلّمهم آداب الطريق من غضّ البصر وكف الأذى ورد
السلام وغيرها من الآداب الإسلامية, وكأن ما يقومون به
قمة التحضر والرجولة!
إذا كان الفقهاء الأقدمون قد اختلفوا على كون الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين على الجميع أو فرض
كفاية, فإنهم لم يختلفوا على أنه واجب كل فرد عاقل في
المجتمع الإسلامي حسب موقعه واختصاصه, وعلى هذا فإن من
واجب وحق كل مسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر
مهما كان موقعه متى توفّر له ما يلي: علم بالمأمور به
والمنهي عنه, وقدر من اللين يستميل به القلوب, وصبر
يعينه على الوصول بالموعظة إلى هدفها, فالوالدان
والمعلمون والإعلاميون والمثقفون والسياسيون كل منهم
يتوجّب عليه المشاركة في أداء دوره, حتى الطبيب في
عيادته عندما ينصح مريضه المصاب بالسكري مثلا أن يجتنب
بعض الأطعمة ويتبنى نظاماً غذائياً معيناً كي يقيه
مضاعفات المرض, فهو يقوم بدوره في إقامة مجتمع صحي خال
من الأمراض, وهذا المثال عن الطبيب والمريض يفيد ليس
في الصحة الجسدية فحسب بل في الوصول إلى السواء النفسي
والسلامة الاجتماعية, لأن الطبيب عندما ينصح مريضه لا
بد أن يكون أسلوبه رفيقاً خالياً من الاستعلاء, ومن
يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن
يتّصف بالحكمة ويتلطّف مع من يأمره وينهاه, ولا يجوز
له شرعاً أن يلجأ للعنف, إذ إن كثيراً من الناس لا
يجدي معهم العنف ولا يصلح من شأنهم شيئاً بل قد يزيدهم
عناداً ومكابرة, فتكون النتيجة عكسية وتعود بالضرر
بدلا من النفع؛ ومن آثار بعض السلف الصالح ما يدل على
ذلك إذ وعظه واعظ وعنّف له في القول فقال: يا رجل ارفق
فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره
بالرفق فقال تعالى في معرض أمره لموسى وأخيه
هرون:(فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى).
اشترط الفقهاء أربعة أمور فيما يجب تغييره من المنكر:
أن يكون منكراً مخالفا للشرع؛ وأن يكون المنكر معلوماً
بغير اجتهاد أي أن يكون حكمه مجمعاً عليه فلا يثير
خلافاً بين الفقهاء ولا يحتمل اختلافا يجعله محلا
للاجتهاد؛ وأن يكون موجوداً في الحاضر لا أن يكون قد
حصل في الماضي أو وقوعه غير متيقن في المستقبل, وأن
يكون ظاهراً فكل من ستر معصية في داره وأغلق بابه لا
يجوز أن يتجسّس عليه وقد نهى الله ورسوله عن التجسس
الذي هو سعي في إظهار الفاحشة مما قد يهوّن إتيانها
على من لم يكن يعلم بوجودها أصلا, وقد قال رسول الله
عليه الصلاة والسلام:(من ابتلي من هذه القاذورات شيئا
فليستتر بستر الله فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه
كتاب الله) وقال:(من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله
عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله)
وقال أبو بكر:(لو وجدت شارباً لأحببت أن يستره الله
ولو وجدت سارقاً لأحببت أن يستره الله), وحتى إذا ستر
عبداً فإن هذا ليس من قبيل قبول المنكر أو إفراده ولكن
لغايات تربوية وهي توجيه المذنب للتوبة إلى الله وعدم
العودة إلى فعل المنكرات؛ وهنا تحضرني قصة قرأتها في
كتاب تراثي أن أحد الصالحين كان خارجاً من المسجد بعد
صلاة العشاء, فرأى شخصاً يبدو عليه السكر لكنه يلهج
باسم الله, فما كان منه إلا أن غسل له فمه إكراماً
لذكر الله, وبعد أن آوى الرجل الصالح إلى فراشه رأى في
منامه أنّ قائلا يقول له: طهّرت فمه لأجل الله فطهّره
الله لأجلك, ولما أذّن الفجر وذهب الرجل الصالح إلى
المسجد وجد شارب الخمر قد سبقه إليه وهو يرفع كفّيه
ضراعة لله.
هذه القصة الجميلة تدلنا على أهمية حسن الخلق والإخلاص
لله وحسن الظن بالناس, عكس القصص التي أوردتها في
البداية والتي أمعن فيها المطوّعون بالعنف اللفظي
والجسدي ناهيك عن سوء الظن وإنكار ما لا يتوجّب إنكاره
سواء كان مختلَفاً عليه بين الفقهاء كتغطية وجه المرأة
أو مفهوما ملتبساً كعملها المختلط مع الرجال رغم أن
المحرّم هو الخلوة وكل ما يخلّ بالفطرة السليمة, ومن
ذلك ما نهت عنه معلمة الدين في حفّ الحاجبين مع أن
المنهي عنه ليس ترتيب الحاجبين العادي بل تغيير خلق
الله, والإثم الأعظم برأيي أنها لم تراع سن الفتيات
فقد نبّهتهن إلى أمور لا علاقة لها بالمنهج العادي
إنما تصنّف ضمن ما يسمى بالمنهج الخفي, وهذا وحده
يحتاج مقالة أخرى.
الوطن السعودية 19/3/2007 |