الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) محاربة الإرهاب مسؤولية جماعية
 
 
 

 الدكتورة الغالية ليلى.. تحية طيبة

ما سأكتبه هو فقط رسالة شكر لعلها تعبر عن ما في داخلي.. أعترف بداية – وعلى خجل- أني كنت ممن تأثر بالفكر الإرهابي والتكفيري والله المستعان.. قد أكون بعمر أحد أبنائك.. وأنت تعرفي بالضبط كيف بدأ ذلك الفكر وكيف تأثرنا به خاصة كمراهقين. سبب مقدمتي هذه هو أن أقول أنك حفظك الله من أكثر من أثـّر في نفسي وعقلي نحو تغيير أفكاري تجاه السنة الصحيحة سواء من ناحية الإرهاب أو الفكر الديني عموما واحترام المذاهب الأخرى.. أحد أصدقائي دلني على مقالاتك.. ولم أكن أعرف أنه تمنى إذا قرأتها أن أغير أفكاري الغير سوية وهذا ما حدث

تأثيرك عليّ كان واضحا جدا حيث استغرب إخوتي كيف تغيرت عليهم كوني أكبرهم وأصبحت أضحك كثيرا وأبتسم أكثر وأحس بحكمة الله في خلقنا .. وقد وجدت في كلامك أمومة كبيرة وكأنك تخاطبي أبنائك.. وها أنا أكتب كلماتي هذه صباحا وأستمع لكلمات فيروز (جايب لي سلام) والتي كان والدي حفظه الله يسمعني أغانيها في صغري لكني حرمتها على نفسي لمدة أربع سنوات تقريبا.. عندها أحسست بسلام هذه الدنيا بعدما كنت أراها محطة عبور لا تيسير فيها ولا جمال.. وغابت عني الكثير من أسماء الله الحسنى وأولها: السلام

غيض من فيض..أشكرك أولا على وصولك لنهاية الرسالة.. وثانيا أسأل الله أن يجزيك عني وعن المسلمين خير الجزاء

ابنك/ ســعــد صالح الــراشـــد – أرامكو السعودية

هذه الرسالة وصلتني منذ الصيف الماضي وقد اخترت أن أعرضها الآن بعد الحادث الأليم قرب المدينة المنورة والذي نجم عنه مقتل أربعة فرنسيين أمام أعين زوجاتهم وأولادهم, وقد كنت قبل الحادث بيوم واحد تلقّيت رسالة عبر موقعي الشخصي من شخص سمّى نفسه (أبو الفداء) يسخر من أفكاري الداعية إلى إصلاح النفس والمجتمع, وكانت أشد المقالات إثارة لحنق الأخ المذكور هي المقالات التي نصحت فيها بعرض الإسلام كدين المحبة وليس دين الكراهية انطلاقاً من الآية الكريمة:(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين), وأما رأيه فهو أن الإسلام دين السيف ويعتمد تكفير المخالف بالرأي وإلغاء الآخر والبراء من الكافر إلى آخر ذلك مما تناولته بالتفنيد في عدد من المقالات السابقة والتي أحمد الله على توفيقه لي بنشرها عبر صحيفة الوطن التي ما انفكّ الإرهابيون الفكريون يندِّدون بها وبكتّابها, ولذلك فإني أعتبر رسالة الابن سعد الراشد موجهة للوطن بشكل عام وليس لي فقط.

جريمة قتل الفرنسيين الأربعة تكاملت فيها عناصر الجريمة الإرهابية برأيي, ولا يمكن أن تكون بدافع الانتقام من شركة سويدية سرّحت بعض موظفيها, ولا بسبب بحث المغدور بهم عن كنز قريب في المنطقة كما أوردت بعض الأخبار المفبركة, لأن الانتقام من شركة سويدية لا يبرّر قتل فرنسيين, ولا غيرهم من الجنسيات الغربية, ثم إن من يبحث عن كنز لن يأخذ نساءه وأولاده برحلة فيها من المخاطرة ما فيها, ومن الواضح أن تخييم الفرنسيين في المنطقة التي اختاروها ليس بدافع الطمع بقدر ما هو بدافع الشعور بالأمن وبأنهم في دائرة الأمان المحيطة بحرمة المدينة المنورة, خاصة أن قدسية المكان لا تخفى على غير المسلم فما بالك بمن هو مسلم أباً عن جد كالسيدة المغربية التي قتل زوجها ولحق به ولدها البالغ من العمر 17 عاماً وكلاهما مسلمين؟ علماً بأنه لا فرق في تعاليم الأديان كلها بين قتل المنتسب للدين وغير المنتسب له ما دام قتلا بغير وجه حق, فالآية الكريمة في سورة المائدة:(من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً), هي ليست شريعة لبني إسرائيل فقط بل هي شرع لنا وللإنسانية, وهي تدل على أن هؤلاء الإرهابيين قد باؤوا بإثم قتل البشرية كلها, هذا إن لم يتضاعف وزرهم 4 مرات, وكذلك فإن موقع الآية السابقة في السورة بعد قصة قتل أحد ابني آدم لأخيه تشير إلى أن من يقتل أي إنسان بدون وجه حق هو كالذي يقتل أخاه, فكل البشر أبناء أب واحد وأم واحدة, والنفس البشرية مقدسة لأن صاحب هذه النفس يحمل بين جنبيه نفخة من روح الله.

لا ننكر الجهود التي بذلها رجال الأمن في إحباط الهجمات الإرهابية, ويكفي أن عدداً يقرب من مائة رجل أمن استشهدوا في سبيل الدفاع عن الأرواح والممتلكات, لكن حادثة قتل الفرنسيين وغيرها من الحوادث الإرهابية التي نسمع بها بين الفينة والأخرى تشير على أن جهوداً أخرى لم تبذل على الوجه المناسب, وأنا إن استشهدت في بداية مقالتي برسالة الراشد فلكي أبين قدرة الإعلاميين وكتاب الرأي في تغيير بعض المعتقدات الفكرية التشددية, ولكن الأمر يجب ألا يقتصر على كتابة مقالة هنا أو عرض برنامج هناك, ولا بد من وضع الإصبع على الجرح, فأدوار المؤسسات التربوية والثقافية يجب أن تكون متكاملة كي تصل الرسالة إلى هدفها, وإذا قسّمنا المؤسسات التربوية إلى تقليدية وغير تقليدية, فإننا نجد الرسائل المزدوجة هي أكثر ما يحطّم البنيات الصغيرة للمجتمع والمتمثلة بالأفراد, خصوصاً الناشئين منهم والمراهقين بحكم سنّهم الصغيرة التي تتأثر بكل ما تسمعه دون قدرة على المحاكمات المنطقية والمهارات الناقدة.

أشرت في أكثر من مقال إلى دور الأسرة في تكوين الشخصية العنيفة, وهو مشابه في تأثيره لدور المدرسة بأساليبها التربوية الاستبدادية, يضاف إلى ذلك دور مناهج التعليم في ترسيخ العنف داخل نفس الناشئ عبر تدريسه مواد لا تمتّ لعصره بصلة, فلا يفهمها ولا يستسيغها ولكنه يحفظها بشكل أصمّ, وأسلوب التلقين هذا له مردوده السيئ بتكوّن عقدة النقص في نفس الناشئ حيث يتكرّس في لا شعوره انعدام القيمة الذاتية لأن دوره الإيجابي غير موجود في التعلّم, فهو لا يختلف عن الببغاء الذي يعيد الكلام دون أن يفهم معناه,  ناهيك عن افتقاد الجماليات في المنهج التعليمي الديني والدنيوي, وإذا كان علماء التربية يركزون على أهمية اللعب للطفل فإن عرض الأفكار بطريقة محببة عبر القصص مثلا ومن خلال الرسوم والصور لا تقلّ أهمية عن ذلك, وهذا ما يغيب كلياً عن المناهج التي تتصف بجفاف لا مثيل له, ولا يحتمل المقال الإشارة إلى كل مثالب التعليم بما فيها غياب الأنشطة والفنون خاصة أن الكلمة الأخيرة لها مدلولها في التحريم لدى بعضهم, وهذا ما يمكن استنتاجه من كلمات الراشد أعلاه عن أغاني فيروز التي حرّمها على نفسه مع أن والده كان يسمعه إياها, ولا بأس أن نتذكر هنا رواية (الإرهابي 20) والتي تناولتُها وبعض الكتاب الآخرين في الوطن كشاهد على كيفية تغير الناشئ وارتداده على قيم أسرته بسبب المجموعات التي تدّعي صداقته لتصطاده بشباكها الإرهابية من خلال أساليبها الملتوية.

أما الدور الأهم في استئصال شأفة الإرهاب فهو دور الدعاة والفقهاء, لأن الإرهابيين يظنون أنهم ينطلقون من مبادئ الإسلام, فلا بد من دعاة يبيّنون خطأهم وضحالة تفكيرهم وسوء فهمهم للدين, وإلى الآن وبصراحة تامة فإن هذا الدور لم يتأسّس بشكل جماعي كافٍ, وإنما هي جهود فردية لا تغني ولا تسمن من جوع لأن الداعية الذي يفتح هذه الملفات الساخنة وحده يبدو كمن يسير بعكس التيار, فيبدأ الهجوم الشديد عليه - مثله في ذلك مثل الكاتب المستنير - وإذا شكّل بعض الدعاة تياراً مكافحاً للأفكار الإرهابية فغالباً هم يقومون بذلك تحت مظلة الدولة, وهو ما يجعل دورهم أقل مصداقية لأن هؤلاء الإرهابيين مناهضين للدولة أساساً؛ وهنا لا بد من الإشارة إلى الفريق الذي يمدّ يده ليقبض راتبه من الدولة نفسها, لكنه مخالف لتوجّهاتها التنويرية في خلق مجتمع ذي إسلام راشد, ولقد أشارت صحيفة الوطن في عددها للسبت الماضي إلى خطبة بعض أصحاب المنابر الدينية يوم الجمعة الماضي كموقف إيجابي مقابل للموقف السلبي الذي تبنّاه بعض الخطباء الآخرين والذين رفضوا التفاعل مع الحدث الإجرامي في قتل الفرنسيين أو الإشارة إليه خلال الخطبة, متمرّدين بذلك على توجيهات وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد, ومتنكّرين لخيرية الأمة الإسلامية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فهؤلاء موظفون ينعمون بخيرات البلاد ولا يهمهم أن تباد البلاد والعباد ثم إن لم تكن هذه الجريمة البشعة حافزاً لإنكار المنكر الآن فمتى؟!

كلمة أخيرة في حق القتلى الفرنسيين, سواء منهم المسلم وغير المسلم, فالله يعلم مدى الحزن الذي لامس شغاف قلوب الكثيرين من قاطني هذه البلاد نتيجة هذه المأساة, وأما من اخترع سبباً لمقتلهم وأنه الخوف من انتشار الإسلام في فرنسا, فهذا كذب محض, ولذلك عزاؤنا مقدّم للجمهورية الفرنسية, دون أن ننسى تقديم العزاء لوجهي العملة الواحدة: الإسلام كدين والمملكة كوطن.

الوطن السعودية 5/3/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |