|
كان محزناً الخير الذي ساقته صحيفة الوطن في عددها ليوم الجمعة الماضي والذي تضمّن
الحكم على طالب في مدرسة ثانوية بحفر الباطن بالجلد 60 جلدة وغرامة مالية قدرها
2000 ريال وذلك لأنه كتب على جدران مدرسته عبارات غير مهذبة, وقد أجادت "الوطن" حين
أرفقت الخبر بخبر من جدة إذ يواصل فرع بلدية بريمان تنفيذ مشروع الأمانة الخاص
بتفريغ طاقات الشباب الفنية
من
خلال اللوحات الجدارية؛ وكانت الوطن سابقاً قد أفردت لهذا الخبر الأخير مساحة أطول,
وذلك بعد أن استطاع بعض المسؤولين الوصول إلى أولئك الشبان الذين يشوّهون الجدران
النظيفة, وتَمّ الاتفاق معهم على الاستفادة من مواهبهم وإبداعاتهم.
كنت قد أشرت في مقالة سابقة إلى تفوّق القضاء في جدة
عندما حكم بإسقاط ولاية أب عاضل لابنته, وبذلك قرّر
ذلك الحكم انتصار الشرع على الأعراف البالية والتقاليد
السيئة, وها هي جدة تتفوّق مرة أخرى عبر بعض مسؤوليها
الذين فهموا سنة الرسول عليه الصلاة والسلام في معالجة
مشكلات المراهقين؛ وأغلبنا يعلم الحديث الذي دار بينه
صلى الله عليه وسلم وبين فتى جاءه يطلب الإذن في
الزنا, فلم يعنّفه الرسول الكريم ولم يطرده ولم يأتِ
بما يسيء لنفسية ذلك الشاب, بل تفهّم مرحلته العمرية
التي يمرّ بها واستوعب علوّ صوت غرائزه على صوت
الإيمان الذي لم يتعمّق بعد في قلبه, فسأله: أتحبه
لأمك؟ قال: لا, فقال الرسول الكريم: وكذلك الناس لا
يحبونه لأمهاتهم.... وأكمل الرسول الرحيم حواره مع
الشاب الصغير ماراً بأخواته وعمّاته وخالاته والشاب
يقرّ بأنه لا يرضى ذلك لأخته ولا لعمته ولا لخالته,
وبعد ذلك وضع الرسول يده الشريفة على صدر الفتى برحمة
ومحبة ودعا له, فقام الفتى من مجلس الرسول عليه الصلاة
والسلام لا يلوي على شيء, فلماذا لا نتبنّى هذا
الأسلوب الشريف والنبيل في إقناع المراهقين؟
بالطبع لا ينكر منصف تأثير رسول الله عليه الصلاة
والسلام على أي أحد جادله أو حاوره مؤمناً كان أو
كافراً, ولا يحقّ لمؤمن أن ينفي أثر وضع الرسول الكريم
ليده على صدر الشاب ودعائه له في تغيير قناعات الفتى,
لكن ذلك قد يكون جزءاً من تفسير تصرف ذلك الشاب الذي
قام لا يلوي على شيء بعد حوار بسيط مع سيد الخلق, أما
الجزء الآخر فهو أن ذلك الفتى لم يكن يهتمّ بالزنا
بسبب إلحاح غريزته الجنسية, بقدر ما كان ذلك الاهتمام
يحمل إثباتاً للرجولة – أو الفحولة -المزعومة والتي
تدفعه إلى فعل ما يشين أخلاقياً قبل أن يكون شائناً
دينياً, وكثيراً ما يكمن هذا الدافع المتمثّل بإثبات
الذات وراء أي تصرفات خاطئة يقوم بها مراهق سواء كان
كتابة عبارات بذيئة أو القيام بالتفحيط أو بمعاكسة
النساء أو.. أو..
إثبات الذات لدى المراهق إن لم يتمّ بشكل إيجابي
فسيأتي بشكله السلبي, وقد خصّصت فصلا كاملا من كتابي
ألف باء الحب والجنس لأهمية التقييم الإيجابي للذات
لدى الطفل والمراهق, ولكن الفصل الأول من الكتاب خُصّص
للتربية الأخلاقية لأن التربية لا يمكن أن تكون عاطفية
حقيقية أو جنسية صحيحة دون أن تُعتبر كُلاً واحداً,
ودون أن تأخذ البعد الأخلاقي للإنسان كميزة له على
غيره من الكائنات, وقد يظن بعضهم أن العقل هو الذي
يجعل الإنسان ذو قيمة عليا, وهذا نصف الحقيقة, أما عين
الحق فهو أن العقل إذا لم يكن أخلاقياً فإنه يحطّ
الإنسان إلى درك البهيمة السفلى.
أكّدت في كتابي ذاك على دور الأسرة كمحضن أولي لنمو
الضمير الخلقي في الإنسان, والذي توجد بذرته الخيرة
بالفطرة, فكما يدلّ حديث الرسول عليه الصلاة
والسلام:(كل مولود يولد على الفطرة فأبواه إما
يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسّانه) فكذلك كل مولود
يولد وبداخله ضمير, فالأبوان إما يساعدان على نمو هذا
الوازع الأخلاقي الداخلي, أو يقومان بإفساد بذوره أو
باستئصاله من جذوره, وفي هذه الحالة يتحوّل الإنسان
إلى كائن تقوده غرائزه البدائية التخريبية المثبتة
للذات بشكل خاطئ؛ وإذا كانت البيئة التي سيكمل فيها
هذا الكائن نموه مشابهة لبيئته الأسرية من حيث سوء
التربية, فإنه لن يستطيع المقارنة بين البيئتين لأنهما
متشابهتان, وسوف يستمرّ في انحداره الذي يغيّب إيمانه
الفطري بوجود خالق يراقبه ويحاسبه على أفعاله, كما سوف
يركن عقله إلى حالة من السبات لا يعرف معها معروفاً
ولا ينكر منكراً.
من المعلوم في المجتمعات التي تعيش طوراً من الحداثة
أن الحاضن التربوي الذي يأتي بعد الأسرة هو المدرسة,
لذلك فأهمية تكوين الإنسان خلال المرحلة الدراسية لا
يستهان بها, والناشئ يقضي 12 سنة وهو على مقاعد
التربية المدرسية, فإذا وجد في المدرسة محيطاً مختلفاً
عن محيطه الأسري فسيقوم عقله بالمقارنة بين ما تعلّمه
في الأسرة من أخلاق وأفكار وقواعد السلوك وبين ما
يأخذه من المنهج التعليمي ومن تصرفات الأساتذة
والمشرفين والطلاب الآخرين, وسينجم عن هذه المقارنة
نوع من التفاعلات الاجتماعية التي تعدّل قيمه الأسرية
السيئة وتساعده سلوكياً تبعاً للقيم الجديدة؛ لذلك
فإذا كانت الأسرة هي المسؤولة الأولى عن تكوين شخصية
الطفل فإن المدرسة لها دور أيضاًً في التأثير عليه
وإزالة ما علق بنفسه نتيجة تربية خاطئة سابقة؛ ولكن
الذي يحصل غالباً في مجتمعاتنا العربية أن الأبوين
يدخلان معترك الزواج وهما لا يعلمان عن التربية شيئاً
إلا إمكانية إعادة التجارب التربوية الخاطئة - التي
تعرّض كل منهما لها في أسرته قبل الزواج - على
أطفالهما دون أن يعترف أحدهما بمسؤوليته الخطيرة عن
إعداد جيل المستقبل ودون أن يفكر أساساً بأنه بحاجة
إلى إعادة تأهيل نفسي واجتماعي تمكّنه من القيام بمهمة
رعاية إنسان؛ وأما الذي يحصل في المدرسة فهو لا يختلف
عما يحصل في الأسرة, فالمدرسة لم تعد تقوم بمهامّها
التربوية بسبب أعداد التلاميذ الكبيرة وبسبب عدم
الاهتمام بإعداد المعلم تربوياً, فبالكاد يستطيع
المعلم أن يقوم بمهمة التعليم, مع أنه من المفترض في
مناهج كليات المعلمين أن تشمل مواداً خاصة بالتربية
وبكيفية التعامل مع الطلاب باختلاف مراحلهم العمرية؛
وعلى هذا فإن خطأ الأسرة لا تتفادى تكرارَه المدرسةُ
بل إنها كثيراً ما تقوم بإفساد الطالب بدل أن تساهم في
إصلاح شخصيته, وأغلبنا كآباء وأمهات نعلم أن أولادنا
يتعلّمون في مدارسهم شتائم وكلمات بذيئة من أصدقائهم,
كما يتعلّم الطالب اللامبالاة بالوقت عبر تكليف الطلاب
والطالبات بواجبات لا معنى لها, على سبيل المثال بعض
المعلمات لا تهتم بحلّ الطالبة للواجب بقدر ما تهتم
للزينة التي تضعها الفتاة على صفحات الدفتر, وهذا يأخذ
وقتاً من الطالبة تضطر لاقتطاعه من وقت المذاكرة كي
ترضي المعلمة, وكمثال آخر عندما يدخل أبناؤنا الفصل
الثاني من السنة ودفاترهم ما زال أكثر من نصفها أبيض
لم يُكتب فيها ولا كلمة, فيطلب أستاذ كل مادة منهم أن
يحضروا دفتراً جديداً, فيرمى القديم في الزبالة, وهذا
هدر للمال, لذلك إذا كانت الأسرة قد علّمت الطفل معنى
قيمة الوقت والمال فإن المدرسة لا تساعده على التمسك
بهذه القناعة, وهذا غيض من فيض.
لا يهدف هذا الكلام إلى إخلاء الوالدين من مسؤوليتهما,
لكن المعلوم أن الأسرة والمدرسة هما مؤسستان تربويتان
تقليديتان متكاملتان, وإذا كان تكاملهما مفروضاً في
السابق, فإنه الآن ومع دخول الإعلام المرئي
والالكتروني على خط التربية فإن من واجب الأسرة
والمدرسة أن يشكلّا حائطاً صلداً لصدّ غزوات الإعلام
بما فيها انتهاكاته للإنسانية التي يتعرّض لها أطفالنا
كل يوم وفي كل عمر, بدءاً من مقالب توم وجيري في
الطفولة وليس انتهاءً بجرائم أفلام العنف والأكشن مع
المراهقة, ويبدو أن الإعلام المرئي مصمّم على انتزاع
أرباحه ولو بتشويه إنسانية البشر, من خلال النماذج
التي يعرضها, والتي أصبحت قدوات لأولادنا, لذلك فإن
مهمة التربية أصبحت أصعب مهمة على الإطلاق, وبما أن
درهم وقاية خير من قنطار علاج فالأفضل أن نبين
لأولادنا معاني الأوامر التي نطلب منهم تنفيذها, وكما
يقول أحد جهابذة التربية: (إذا كانت التربية تقوم فقط
على ترويض الأولاد لئلا يسرقوا أو يكذبوا أو يزنوا,
وليمتثلوا للقوانين المعمول بها, فإنها لا تكون كوّنت
سوى بشر آليين عاجزين عن فهم ما يفعلون ولماذا يفعلون,
وبالتالي عاجزين عن التكيف مع أوضاع جديدة).
العلاج الصحيّ الذي كشف عنه المشرف على التنمية
الاجتماعية والإعلام بأمانة جدة والذي عمل على إعادة
التوازن النفسي للشباب المراهقين عبر إشعارهم بأهميتهم
الذاتية, يشير إلى دور المجتمع كمحضن تربوي أساسي
أيضاً, ولكن إذا كان دور العلاج السلمي يؤتي أكله
الطيب, فإن التعنيف والجلد لن يؤكد للمراهق إلا المعنى
السلبي لوجوده, والذي يؤدي إلى الانسحاب الكلي من
المجتمع بما فيه من خطر الوقوع فريسة للإدمان
والاكتئاب وحتى الانتحار, أو يؤدي إلى انقلاب كلي على
القيم والمثل العليا فنصبح أمام الشخصية السايكوباثية
التي قد لا ينفع معها أي إصلاح.
الوطن السعودية 19/2/2007 |