الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) تلفزيون الواقع بين الاستنساخ ونزع القداسة
 
 
 

ليس من الإنصاف أن ننظر إلى ما قدمته الحداثة بعين واحدة, إما عين الذم أو عين المدح, وذلك لأنها منتج بشري يكتنفه الخطأ كما يحوطه الصواب, أما من ينظر إليها بعين محايدة فإنه يدرك أن أفضالها على الإنسان أكثر من أن تعد وتحصى, فالحرية التي اعتمدتها كوسيلة وقررتها كغاية فتحت مجالات التقدم على مصراعيها؛ لكن في نفس الوقت لا يمكن التغاضي عن السيئة الأولى والأخيرة لهذه الحداثة والحرية التي أتاحتها, ألا وهي نزع القداسة عن كل شيء, فلم يعد للدين مكان إلا في الدير والكنيسة, وتبع ذلك نزع القداسة عن الإنسان نفسه الذي فضّله الله على سائر المخلوقات بالنفخة العلوية التي ارتفعت به إلى مركز سامٍ كخليفة الله في الأرض, ولذلك لما بدأت الأفكار الحداثية تغزو بلادنا العربية لم تكن إلا شجرة مستنسخة من الشجرة الغربية الأصلية, فلم تثمر تلك الأفكار في التربة العربية سوى العلقم المرّ, وانقسم بنو يعرب تجاهها فريقين: فريق مقلد مستنسخ لكل ما يأتي به الغرب من صرعات و"موضات", وفريق رافض لكل منتجات الحداثة متمسك بأفكار أكل عليها الدهر وشرب؛ ولم يفت آنذاك بعض مفكرينا المخلصين تشخيص عللنا المستفحلة, منهم مالك بن نبي الذي وصف الأفكار الغربية الحداثية المستوردة دون تصحيح بالأفكار المميتة بينما نعت الأفكار العربية التراثية المتشبَّث بها دون تنقيح بالأفكار الميتة.

الإعلام المرئي هو أحد منتجات الحداثة الغربية, وكان ردّ فعل العرب على دخول التلفاز إلى بيوتهم مختلفا بين ناظر إليه على أنه الأعور الدجال لأن له عين واحدة كبيرة, ومعتبر إياه "مفسديون" وليس تلفزيون كما كان يردد بعض المشايخ الذين أصدروا فتاوى بمنع الناس من إدخاله بيوتهم,  وبين فرحٍ به وداعٍ للجيران كي يشاركوه سهرة مميزة وجلسة جماعية, والتلفاز في الحقيقة لا هو بالعفريت ولا بالمهرّج, ولكنه أداة إعلامية مؤثرة إذ تشغل حاستي السمع والبصر معاً, وكان تأثيره السيئ أكبر بكثير من التأثير الحسن منذ البداية, ومن يتابع أفلام الأسود والأبيض يرى أنها تحمل أسماء مخرجين ومنتجين ذوي ميول معادية للأديان, وإذا ابتعدنا عن الأسماء فلا يمكن الابتعاد عن محتويات تلك الأفلام التي أقلّ ما يقال عنها أنها تخلّ بفطرة البشر في الحياء, فلا يكاد يخلو فيلم أبيض وأسود من قبلة حميمة بين البطل والبطلة, وإذا قارنا ما كانت تعرضه السينما العربية في ذلك الوقت مع أفلام الأسود والأبيض الغربية فلا نجد فارقاً كبيراً, فكلاهما غايته الربح قبل الأخلاق ومهمته الإفساد قبل الإصلاح.

أرجو أن يكون القارئ الكريم على بينة بأن هذا الكلام لا يصدر عن تعصّب ولا ينمّ عن تخلف, بل هو دعوة للحفاظ على أقلّ القليل من القيم التي كاد البشر أن يفقدوها, وفي مقدمتها فضيلة الحياء, فالحياء هو خليط من الإيمان والعقل لذلك هو أرفع الأخلاق البشرية على الإطلاق, فالرسول عليه الصلاة والسلام قال:(الحياء شعبة من الإيمان), ولكن الإيمان ليس المسؤول الوحيد عن الحياء, بل إن للعقل دوره الكبير إذا لم يوجد في تركيبته ما يشوهّه, والدليل على ذلك أن شارب الخمر الذي وصل إلى حد السكر وغياب العقل تكون فضيلة الحياء أول الفضائل اختفاءً لديه, ومن المعلوم أن بعض من يريدون التحدث في مكان عام يلجأ إلى شرب شيء من الخمر ليفكّ عقدة لسانه, وللأسف فإنه ينطق بكل ما يخدش السمع, والمثال ليس ببعيد بل هو من إحدى القنوات الفضائية التي استضافت حديثاً بعض المثقفين للتباحث في دور السينما وأهميتها في المملكة العربية السعودية, فأتى أحدهم وهو ممثل معروف تبدو عليه أمارات تعاطي المسكر, خاصة مع انطلاق بعض الشتائم من فمه على الهواء مباشرة, وكان أحرى بالبرنامج أن يطرده شر طردة من الأستوديو, وهو الموقف الذي كانت أية وسيلة إعلامية غربية ستفعله لو قام أي ضيف بذلك, والسؤال الذي نستثمره من هذا المثال: لماذا نُمعن في تقليد الغربيين للدرجة التي نأخذ فيها المساوئ ونترك المحاسن؟ هناك برنامج عربي لاكتشاف المواهب الغنائية الشابة هو نسخة من برنامج أمريكي لكن يمنع في الأخير استعراض المواهب الجنسية والحركات المثيرة لأن المسئولين عن البرنامج يريدون سماع الصوت لتقييم مستوى المتسابق وليس مستوى قدرته - أو قدرتها خاصة– على إبراز مفاتن الجسد كما هو الحال في النسخة العربية إذ كلما كانت عارية أكثر كلما كانت "متحضرة" أكثر!

كل برامجنا مستنسخة من برامج غربية, وأغلب المحاورين العرب يتقمصون شخصيات محاورين غربيين, وفي أحسن الأحوال يقتنصون مادتهم الدسمة من تلفزيونات الغرب, والأمثلة المختارة في المقالة ستكون من برامج تلفزيون الواقع التي أخذت بالتفريخ في فضائياتنا المتكاثرة بتنافس محموم هي الأخرى, ومن الأمثلة برنامج أمريكي يستضيف نساء لديهن مشكلات نفسية أو اجتماعية, وتقوم معالجة نفسية أو أخصائية اجتماعية برصد أخطائهن وتصحيح مساراتهن, لكن نزع القداسة موجود في كل برامج تلفزيون الواقع حيث هناك كاميرا تراقب المشاركين طوال الوقت, فيتحوّل الإنسان إلى سلعة لأن عرض البرنامج سيترافق مع ربح أكثر كلما وجدت إثارة أكثر, على سبيل المثال كان التحدي الموجود أمام امرأة سوداء اللون أن تستطيع القفز في الماء كي تتمكن من التغلب على التردد الذي يلازمها كظلّها, وكان المشهد مأساوياً بكل معنى الكلمة لأن السيدة عرضت جسدها بالمايوه أمام جميع المشاهدين ويبدو أنها تقوم بهذا الفعل للمرة الأولى, وأخيراً بعد فترة استطاعت هذه السيدة تخطّي حاجز الخوف الذي يخفي وراءه ظلالاً من بقايا حياء عند الأنثى, وقفزت في الماء لكن هذا التخطي لم يساعدها على تجاوز خط التردد في حياتها؛ ومن واقع خبرتي بالحياة والناس أستطيع أن أقول بأنه لا علاقة للجرأة الجسدية أو الحركات البهلوانية بقرارات الشخصية الفعلية, فقد رأيت في حياتي أشخاص على مستوى عالٍ جداً من الجرأة الجسدية وممارسات الحركات الخطرة لكنهم في حياتهم الشخصية من أجبن الجبناء باتخاذ القرارات, والعكس بالعكس, إذ يوجد بعض الأشخاص الذين يخشون أدنى مغامرة جسدية ولكنهم في حياتهم الخاصة يتميزون بالقدرة على اتخاذ القرارات ذات المغامرة العالية, وعلى هذا فإن ذلك البرنامج الأمريكي مع أهمية ما يقدّمه من محاولات للتوعية وتطوير الشخصية لكنه في الحقيقة ينزع الخصوصية عن البشر من جهة ويقدّم معلومات خاطئة من جهة أخرى, فماذا عن البرنامج المماثل العربي؟

إذا كنت استطعت متابعة عدة حلقات من النسخة الأمريكية الأصلية فإن النسخة العربية كانت سيئة للغاية ليس فقط من ناحية النساء اللواتي شاركن في البرنامج وكون أغلبهن من طبقات موغلة في السوقية, لكن من ناحية الأخصائية النفسية التي لم تكن تتميز بصفة التواضع الموجودة في المعالجة الأمريكية, مما جعلني لا أستطيع متابعة حلقة واحدة, عدا أن التقليد بعيد عن الأصالة والإبداع لأنه ينسب جهود الآخرين إليه, وهذا يذكرنا بالآية الكريمة التي تذمّ الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

أما البرنامج الآخر الذي يمكن الإشارة إليه فهو برنامج د.فيل الذي وقع في ما وقعت به الأخصائية الأمريكية في البرنامج المشار إليه أعلاه, فكي يتعرف طالب الزواج على الفتاة التي يختارها للزواج منه يأخذهما البرنامج في رحلة تسلق الجبال الشاهقة, وهناك يجب على كل منهما أن يساعد الآخر كي لا يقع أثناء صعوده الشاق, ونجح الاثنان في اجتياز المهمة وكانت علامة صحية برأي الدكتور فيل ولكنها في الحقيقة ليست كذلك, فالاثنان تحت الكاميرا, وإذا كانا لا يتصنّعان المساعدة حقاً, فليس معنى نجاحهما في اجتياز خطورة جسدية نجاحهما في اجتياز خطورة نفسية أبدا, وذلك للسبب الذي ذكرته سابقاً من اختلاف نسبة المخاطرة الجسدية والنفسية في كل شخص؛ وعلى الخط العربي يعرض برنامج مشابه, وتتميز مقدمة البرنامج العربي بأن ملابسها وعدمها سواء, وفي أحد برامجها استضافت رجلا اكتشف خيانة زوجته له, وعندما كان الرجل يحكي قصته كان يغالب دموعه, وبالطبع فإنه مشهد مؤثر, لكنه كذلك في المرة الأولى وليس في المرة الثانية, فهذا الرجل لن يستطيع أن يمشي في الشارع دون أن يشار إليه على أنه كذا وكذا, والسؤال الأصعب هو عن موقف أولاده وبناته من زملائهم في المدرسة؛ فلمَ لَمْ تأخذ المذيعة ذلك في الحسبان فتظلل صورة الرجل أو تغير صوته؟ الأسوأ عندما تقلب المذيعة الأستوديو إلى ما يشبه محكمة, ففي حلقة عن انتشار الزواج العرفي في بلدها بدأت بالتنديد بسيدة ملثّمة لأنها تعمل هي وزوجها في تسهيل الزواج العرفي خاصة على السياح الخليجيين, وكان ردّ السيدة التي آثرت عدم الكشف عن شخصيتها بأن زبائنها من النساء والرجال هم الذين يطلبون ذلك, وبدأت المحاكمة بوجود رجل دين هوى بمطرقة أحكامه على السيدة الملثمة, ولا أدري كيف يقبل أن يشارك في برنامج تقدّمه امرأة تذكر بالمرأة اللعوب, ولماذا نطلب من الرجال أن يتحوّلوا إلى ملائكة دون أن نمنع المرأة من أن تلعب دور الشيطان المثير؟!

الوطن السعودية 12/2/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |