الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) "تعالوا إلى كلمة سواء"
 
 
 

لم يعنِ لي إعدام صدام في أول أيام عيد الأضحى شيئاً, اللهم إلا ارتياحي لعدم رؤية وجهه على الشاشة بشكل حي بعد أن أُعطي الفرصة للظهور كممثل أول في مسرحيات محاكماته المتتالية التي تجلب السأم, كما لم يكن يعني لي شيئاً إمساكه بالقرآن الكريم أثناء تلك المحاكمات ولا حتى إدلاءه بالشهادة قبل إعدامه, ففرعون آمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل بعد فوات الأوان, وصدام أثبت طيلة حكمه أنه من الظالمين الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد, وإذا كنا سنترحّم على صدام أمام أولادنا بسبب استفاقته المزعومة, فهذا لا يؤتي ثماراً سوى ترسيخ الظلم في نفوسهم, وأنه يحق لهم أن يظلموا ما شاؤوا ومن شاؤوا ثم يمكنهم أن يستغفروا الله فيسامحهم ويتوب عليهم, وفي هذا تكريس لشريعة الغاب التي جاءت كل الأديان السماوية لمحاربتها, إذ إن وظيفة الدين هي محو الشر من النفس والمجتمع, وأكبر الشر يتمثّل في البغي والعدوان والظلم وانتهاك حقوق الآدميين ناهيك عن التأله واعتبار الناس عبيداً لبعضهم بعضاً, فهو إشراك بالله محض, والله سبحانه يقول:(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء), وقد استعبد صدام شعبه فترة طويلة تزيد عن الخمسة والعشرين عاماً يقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويقطّع ألسنتهم وآذانهم ويعذّب في السجون من يشاء ويذيب بالحمض من يشاء, دون تفريق بين سني وشيعي ولا كردي ولا عربي؛ أما ثبات جأشه وردّه على هتافات من شهدوا إعدامه فليس إلا ردّ فعل لرجل مات قلبه من القسوة حتى على نفسه فاعتبر مصير الإعدام شنقاً هو أقلّ ما يستحقه, لأن الأمور نسبية وكلٌ يرى الأشياء من عين طبعه, فلو أن صدام أمسك بعدوٍّ له لمزّقه شر ممزق, ولذلك كان يفاوض سجانيه على طريقة الإعدام ألا تكون شنقاً بل إعداماً بالرصاص, لأنه في الحقيقة يريد أن يضمن ميتة هيّنة سهلة لا تعذيباً فيها ولا إهانات, وهو ما يتحقّق له بالقتل شنقاً أو بالرصاص, وهذا دليل دهائه كي لا يتمّ إعدامه بالخازوق مثلا رغم أنها ميتة الشهيد سلمان حلبي الطالب الأزهري السوري الذي اغتال كليبر القائد الفرنسي لحملة نابليون في مصر, فلا ريب أن صدام كان يتذكّر كيف كان يجمع الناس ليعمل لهم حفلة عشاء فيحوّلها إلى حفلة إعدام, ولا شكّ أنه كان يخشى في سجنه أن ينطبق عليه المثل القائل: بشِّرْ القاتل بالقتل ولو بعد حين, بأن يتمّ إعدامه بإهانة وسخرية كما كان يفعل بالناس سابقاً.

هذه الكلمات التي كتبتها أعلاه قد يفسرّها بعضهم بأنها مملوءة بالحقد الأسود, ومع هذا الرأي المجحف بحقي فإني أعذر من يكيله لي, كما أعذر من ترحّم على صدام, فأما أصحاب الرأي الأول فقد أزعجهم احتفاء الشيعة العراقيين بموت صدام, وفي هذا أتفق معهم لأن مما يجب الاعتراض عليه اعتبار الشيعة ضحية لحكم صدام مع أن الشعب العراقي كله كان ضحية له, أما أصحاب الرأي الثاني فأغلبهم من الذين عاشوا في ظل دول خليجية وحكامها البعيدين عن الحكم الشمولي الديكتاتوري, أو أنهم من المثقفين والدعاة الذين يرون أنفسهم سداً شامخاً أمام مخططات الأمركة, فهؤلاء المشايخ الذين اعتبروا الرحمة جائزة بل واجبة على صدام كان عليهم أن يسألوا الشيوخ السنة الذين ذاقوا من بأسه ما ذاقوا, ولكن أين هم وقد تفرقّوا في البلاد وفرّوا بدينهم منذ عهد صدام؟ منهم الشيخ أحمد محمد الراشد الذي نفى منذ بداية الحرب على العراق أن تكون المقاومة ضد المحتل الأمريكي جهاداً لأنه لا ريب أدرك أن هذه القوة الطاغية لم يكن للعراقيين أن يزيلوها وحدهم, فاستجاروا من الرمضاء بالنار, وكان مصير العراق ما نراه الآن من قتل وذبح وتعذيب وتمثيل بالجثث من قبل النفوس المشربة بالطائفية والتعصب, فالمشكلة لم تكن في تحرير العراق من صدام, لكنها كانت أولا وأخيرا في تفرق الكلمة وتشتت العراقيين إلى أحزاب وطوائف شتى.

لو أن هذا التشتت كان تنوعاً مقبولاً واختلافاً متسامحاً فيه لما انتهى العراق إلى هذه الخريطة الدامية, فكيف يمكن الوصول إلى الاختلاف مع التسامح؟ هذا هو السؤال الذي ستدور حوله بقية المقالة, ولهذا أوضحت تسامحي مع الرأي الذي يطلب الرحمة لصدام, مع أني لا أتفق معه, كدليل على ضرورة تقبل الاختلاف في الآراء في أي مسألة حتى لو كان أحدهم يظنها ثابتة شرعاً وهي ليست كذلك, فكلّ المسلمين الملتزمين بالدين يتفقون على أن القصاص من القاتل حكم شرعي, لقوله سبحانه:(ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) وتفسير هذه الآية لدى أغلب المفسرين أن قتل القاتل رادع كي لا يقتل الناس بعضهم بعضاً وهو ما يؤدي إلى سريان الأمن في المجتمع مما يعني حياة المجتمع ككلّ, لكن هذا الاتفاق لا يلغي بعض الاختلافات المقبولة لأنها ليست من الثابت الشرعي, على سبيل المثال الاختلاف حول من يحقّ له محاكمة صدام؟ أو هل كان من الجائز إعدامه في يوم عيد؟ مع ذلك دعونا من الاختلافات المقبولة إلى الخلافات المذمومة بين الطائفتين الشيعية والسنية لنستعرضها ثم بين المسلمين جميعاً وأهل الكتاب, ولنرى كيفية إمكان تحويل المذموم إلى مقبول, عملا بالآية الكريمة:(تعالوا إلى كلمة سواء).

أعتقد أن خلافاً عقدياً واضحاً بين الشيعة والسنة تفرض الشجاعة الإشارة إليه خاصة وأننا في عصر الفضاءات المفتوحة وتحوّل العالم إلى قرية كونية ترتجّ أطرافها الأربعة لأي حدث يهز جزءاً منها, وقد أشار بعض الكتاب ومنهم رئيس تحرير الوطن الدكتور عثمان الصيني إلى بعض من هذا الخلاف مؤكداً على أنه سياسي قبل أن يكون دينياً, وكلّنا يعلم أن الدولة الصفوية هي التي أعلت من نزعة التشيّع لمواجهة الدولة العثمانية, وقد خصّص المفكر الإيراني الأصل علي شريعتي قسماً من كتاباته لنقض بعض مفاهيم الشيعة مع أنه منهم, وأعاد في كتابه (العودة إلى الذات) بعض الطقوس الشيعية إلى تأثّرهم بالكنيسة, بما فيه حزنهم على الحسين, واحتراماً لمعتقدات الإخوة الشيعية فلن أمضي كثيراً في هذا الاتجاه, لكن أتمنى أن تفسح كتب هذا المفكر العبقري الذي حاول جهده أن يقلّل من ثغرات الخلاف بين المسلمين, وعلى نهجه يمضي المفكر العراقي المعاصر حسن العلوي الذي يحب الآل والصحابة بدون تفريق بينهم وعلى رأسهم عمر بن الخطاب لدرجة أنه سمى ابنه الكبير بعمر, فهذه الخلافات يحاول المفكرون الأحرار أن يفندوها, لكن هل من السهل إلغاء مفاهيم عقدية متغلغلة في وجدان الناس؟!

دعونا نكن أكثر صراحة فنقول: في الحديث الصحيح الذي يسأل فيه جبريل عليه السلام النبي عليه الصلاة والسلام عن الإسلام فيجيب النبي أنه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله, وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان, وعن سؤاله حول الإيمان يجيب النبي أنه الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى, ولدى تأملنا في هذين الجوابين الشريفين لا نجد أثراً لمعتقد الشيعة حول إيمانهم بالإمامة وعصمة الأئمة, كما لا نجد أثراً لمعتقد السنة في الولاء والبراء, مع أننا لو نظرنا في مناهج تعليم الدين لدى السنة لرأينا تعريف الإسلام أنه الولاء للمؤمنين والبراء من الكفار, وعلى هذا فإن هذا التعريف بعيد عما قصده الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث المذكور, وكذلك فإن مناهج الشيعة تعجّ بمصطلحات الأئمة المعصومين والإمام الغائب والمنتظر, وهنا ستنبري كل طائفة تدافع عن هواها, وقد سبق الشرح بمقالات متعددة عن مفاهيم الولاء والبراء وأن البراء يجب أن يقتصر على كل مشرك محارب لله ورسوله في دولة تقوم على الإسلام, أما الكفار من أهل الكتاب وغيرهم فهؤلاء يجب معاملتهم بالبر والإحسان رغم كفرهم ما داموا مسالمين غير محاربين.

هنا يأتي إلى الذهن المعركة التي اشتعلت في مصر ضد الدكتور محمد عمارة لاستشهاده في أحد كتبه بما أفتى به أبو حامد الغزالي من أن كل من كفر بنبوة محمد فهو كافر, والغريب في الأمر أن يضطر الدكتور عمارة للاعتذار, مع أن كل المسلمين المتدينين ينظرون إلى النصارى الذين لا يؤمنون بنبوة محمد على أنهم كفار, كما أن كل المسيحيين في العالم يعتبرون المسلمين كفاراً لأنهم لا يؤمنون بنفس المعتقدات, فهذا اختلاف جذري في العقائد بين المسلمين والمسيحيين, ومثله الاختلاف العقائدي بين الشيعة والسنة, لكن هذا الاختلاف – رغم أنه في الأصول وليس في الفروع - يجب أن يكون مقبولا لكل مسلم يقبل قوله تعالى:(ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عَدْواً بغير علم, كذلك زيّنا لكل أمة عملهم), وعلى هذا لا يمكن النظر إلى الاختلاف بما فيه العقائدي على أنه مدعاة للخلاف, فإذا رأيت جارك عقيدته مختلة وتريد أن تحمي أبناءك منها فهذا ممكن دون أن تحرّض أبناءك على جارك, والمعهود بين البشر أن ينتمي الإنسان إلى دين ووطن ولكن هذا الانتماء لا يبرر أن يتعصب ضد الأوطان والأديان الأخرى.

الوطن السعودية 15/1/2007

 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |