الصفحة الرئيسية
  
في النهوض والتغيير (إبحار ضد التيار) من أجل مزيد من الاهتمام بضيوف الرحمن
 
 
 

يسّر الله لقريبي المغترب في أوربا أن يأتي لأداء فريضة الحج هذا العام, وكانت فرحتي به كبيرة إذ مضى على آخر مرة رأيته فيها خمسة وعشرين عاماً عندما كان طفلا لا يتجاوز عمره ثماني سنوات, وبقدر فرحتي للقائه في جدة بقدر حزني لسوء إقامته في مكة المكرمة وما حولها من المشاعر المقدسة؛ وبالطبع فإن الحج موسم للتقشف والزهد وخشونة العيش ولكن ذلك مقبول إلى حدّ معين يتبع بدرجة أولى اختيار الشخص نفسه والمبلغ الذي خصّصه لهذه الرحلة المباركة, أما عندما يكون الحاج قد وعد نفسه بالقيام بمناسك الحج دون أن يشغله شاغل عنها سواء من ناحية الإقامة أو التنقل أو الطعام أو غير ذلك فوضع مبلغاً من المال يكفيه همّ الانشغال بهذه الأمور الضرورية ثم لا تُقدَّم له إلا أسوأ الخدمات, فإن من البديهي أن يرافق ذلك شعور بالغبن وإحساس بقلة القيمة, مما يفقد الحج غايته الحقيقية في المساواة التي تنبع من عبودية خالصة لله تتجلى في كل شعائر الحج, ناهيك عن انتفاء الشعور بالأخوة الإسلامية التي تقضي أن يحبّ المؤمن لأخيه ما يحبه لنفسه, فكيف يكون حال الحاج الذي يرى كل من حوله يحاول استغلاله بدءا من المسؤول عن الحملة الذي اتفق معه في بلد إقامته مروراً بسائق التاكسي وليس انتهاء بالمحلات التجارية والمطاعم وغيرها؟

جاء قريبي في مجموعة أوربية بعد أن اتفقوا مع المسؤول عنهم أن إقامتهم ستكون شهراً كاملاً بين المدينة المنورة ومكة المكرمة, وسبب إطالة الإقامة هو المفاهيم الدينية المغلوطة التي تسود بين الجاليات المسلمة من أن الحاج إذا لم يصلّي 40 فرض صلاة في الحرم المكي ومثلها في الحرم المدني فإن حجته لا تقبل, ولذلك اغتنم أكثر الحجاج الغربيين هذا العام عطلة عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية الممتدة أسبوعين في تلك البلاد والتي تزامنت مع عطلة عيد الأضحى في بلاد المسلمين, كي يقضوا أطول وقت في رحاب المشاعر الطاهرة, وضمّوا لإجازتهم في الأعياد الغربية إجازة أسبوعين آخرين, وبالطبع فإن كثيرين منهم قد جمعوا المبلغ المخصص للحج نتيجة تقتير إنفاقهم على عيالهم لسنة أو أكثر, خاصة وأن دخولهم الشهرية أو السنوية ليست مساوية لمواطني البلد الأوربي الأصليين الذي جاؤوا منه, إضافة إلى النظرة الغربية الخاطئة – عموماً- لفريضة الحج على أنها ذهاب للمكان الأكثر تشدداً في العالم, ولذلك يُعتبر من يقوم بها أنه إسلامي متشدد؛ ومع ذلك فإن الحاج لا يبالي بكل هذا العناء مقابل الثواب الذي وُعد به؛ لكن هذا العناء يتضاعف ألمه عندما يصدر الظلم عن العشيرة أو الأقربين من المسلمين, ففي الحملة التي جاء معها قريبي كان أغلب الحجاج من أصول شمال أفريقية ومع أن المسؤول عنهم ينتمي إلى نفس الأصول فإنه اعتبرهم أقل في ميزان القيمة البشرية من الحجاج ذوي الأصول الغربية, وكأن سياسة التمييز بين المواطنين والمهاجرين قد أثّرت في التركيبة الشخصية للمسؤول عن الحملة, ولذا كان تعامله مع بني قومه أقرب إلى تعامل الرئيس مع المرؤوسين بدل أن يكون كتعامل المسؤول مع المسؤول عنهم, ولا ريب أن الحج بالنسبة له موسم للربح والتجارة لا يتكرر في العام إلا مرة ولذا فإنه عمل بالقول:(إذا هبت رياحك فاغتنمها) ولذلك اهتبل هذه الفرصة ليزيد غنائمه كما في كل عام.

منذ البداية أخلّ هذا المسؤول بالاتفاق الشفهي بينه وبين الحجاج, فقد وعدهم بإحضار عقد مكتوب بينه وبين كل واحد منهم يسلمه إياه مع تذكرة الطائرة, لكنهم تسلموا بطاقة الصعود للطائرة وحدها, وبدل أن يكون موعد الطائرة في 10 ديسمبر أصبح 15 ديسمبر, وبدل أن يسافر الحاج إلى المملكة في نفس اليوم الذي خرج فيه من بيته خاصة وأن المطار على بعد خطوات من منزل بعضهم فإن هذا المسؤول جمعهم في المطار ليلة كاملة دون فائدة, كل ذلك بغاية أن يختصر على نفسه – وليس على الحجاج- أسبوعا كاملا تقريبا من نفقة الإقامة التي سيدفعها في المملكة؛ وعندما كان قريبي يقص علي حكايته فإن السؤال الذي راود ذهني: إذا شعر المسلم بالغبن يقع عليه من أخيه المسلم في مناسبة عظيمة كالقيام بأداء فريضة الحج فلمن يشكوه وهو ما زال في بلده الغربي الذي لا يفقه أهله الأصليون عن شعائر الإسلام شيئاً؟

كنت منّيت نفسي أن أقوم بفريضة الحج هذا العام مع قريبي هذا كونه محرماً لي, خاصة أنه قد مضى على أدائي فريضة الحج أكثر من خمسة أعوام, وبذلك أنال الأجر من الله وفي نفس الوقت أكون قريبة من محرمي الشاب الذي طال شوقي لرؤيته فأكسب أجرا آخر بصلة رحمي ويحوز هو الأجر أيضا كونه محرماً لي, لكنه عندما زارني في جدة بعد أدائه العمرة في مكة قادماً من المدينة وحدّثني عن وضع إقامته السيئ تبخّرت أمنيتي؛ فقد كان المطوّف وعدهم بإقامة في فندق ذي غرف فسيحة بجوار الحرم دون أن يتجاوز عدد قاطني الغرفة اثنان أو ثلاثة طالباً منهم ألا يحضروا معهم شيئاً لأنه سيؤمّن لهم كل شيء من الطعام ومستلزمات الاستحمام والنظافة وغيرها واعداً إياهم بأحسن خدمة وأفضل مساعدة, فإذا به قد حجز لهم في فندق يبعد عن الحرم نصف ساعة سيراً على الأقدام حاشراً كل سبعة أشخاص في غرفة تمتلئ بالحشرات من النمل والصراصير والبعوض, وقد ألحق بها ما يسمى - مجازاً – شبه حمام دون مناشف أو صابون أو أي شيء من هذا القبيل, وأما الطعام فهو مسؤوليتهم الشخصية وعلى كل واحد أن يكافح في سبيل العيش, ولو كان الوضع يوماً أو يومين لهان الأمر لكن هذه الإقامة كانت مفروضة عليهم لمدة أسبوعين عدا أيام الإقامة في منى حيث لم يكن الوضع أفضل, فالمخيم الذي أقاموا فيه كان أبعد ما يكون عن مكان رمي الجمرات, وإذا وُجد شبه الحمام الذي يسمح للحجاج باستخدامه فإن المطبخ محرم عليهم استعماله, بحيث يضطر الحجاج للطبخ بين الخيام وهو ما يشكل خطراً على صحة الحجاج وأمنهم, أو يستبدلوا ذلك بشراء الطعام من الشارع, حيث لا رقابة صحية ولا نظافة شخصية, وإذا كان المواطنون والمقيمون يشتكون من ارتفاع الأسعار حالياً فإنه من الممكن القول أن الأسعار بمكة ومنى خاصة ترتفع أضعافاً مضاعفة, والسؤال: لماذا يشغل الحاج نفسه بهذه الأمور الدنيوية وهو قد دفع ما قيل له أنه يكفيه مؤونة شهر كامل؟

عندما قارن الحجاج في هذه الحملة أنفسهم بالحجاج القادمين من أمريكا أدركوا الاستغفال الذي كانوا ضحية له, فالحجاج الأمريكيون ينزل كل اثنين في غرفة لفندق ذي خمسة نجوم في مكة والمدينة, وأما في المشاعر المقدسة الأخرى فكل شيء مؤمّن لهم, وفي الحقيقة ليس انتقاد قريبي وزملائه للمسؤول عن حملتهم من باب المقارنات مع الأمريكيين أبداً رغم أن ما دفعه قريبي الأوربي يعادل قيمة ثمانية أضعاف دخله الشهري وهو ما لا أظنه يقلّ عما دفعه الأمريكي خاصة مع ارتفاع قيمة اليورو على الدولار وارتفاع قيمة تذكرة الطائرة من أمريكا على قيمتها من أوربا, لكن المطوّف الذي كان حظ قريبي سيئاً بمرافقته استغل جهل غالبية الحجاج ليوحي لهم بأنه يعلم كل شيء, على سبيل المثال لما أراد قريبي أن يحصل على تصريح للسفر من مكة إلى جدة فإن هذا المطوف الذي وعده سابقاً وسواه من الحجاج بالمساعدة تنصّل من هذا الوعد وألقى باللوم على المسؤول السعودي عن الحملة الأوربية مدعياً أنه لا يعطي تصريحاً لأحد, ولما قام قريبي باستكشاف الأمر بنفسه وجد ترحيبا من المسؤولين عن الخدمة الميدانية وحاز على التصريح بسهولة؛ وعند عودته لمكة وجد المطوّف ما زال مستفيداً من سذاجة الحجاج إلى أقصى درجة, فقد اشترى بعض الحجاج ماء زمزم وحملوا معهم تمر المدينة, فأخبرهم المطوّف أن هناك طائرة شحن جوي مسافرة إلى بلدهم ويمكنهم إرسال ما يريدون بسعر أقل, فإذا به يأخذ منهم سعراً أعلى, وهكذا فإن شَجَع هذا المطوّف وأمثاله لا يقف عند حد.    

أعتقد أن كل سفارة من سفارات المملكة في العالم خصصت موظفاً أو مجموعة موظفين لمتابعة أمور الحجيج في البلاد الأخرى لكني لا أعلم إن كانت وزارة الحج قد وضعت قوانين خاصة بالحجاج ولو على الأقل من باب تعريف الحاج بحقّه في الشكوى للسفارة السعودية عبر اتصال هاتفي أو بإرسال فاكس أو بريد الكتروني, لعلّ خوف العقاب الدنيوي يكون رادعاً لبعض المطوفين, وذلك أسوة بما فعلته وزارة الحج في المملكة من إيقاف بعض مؤسسات الطوافة عن العمل لعدم التزامها بأداء حقوق الحجاج وكثرة الشكاوى عليها؛ وإذا كان المسؤولون عن الحج هذا العام قد استطاعوا - بفضل الله- تدارك الأسوأ فلم تقع أي حوادث محزنة, فإن مزيدا من الاهتمام بالحجاج منذ حصولهم على تأشيرة الحج ومراقبة أوضاعهم في المملكة, خاصة وأنهم ضيوف الرحمن ولم يأتوا للسياحة الدنيوية, ستجعل ذكرى الحج حية في قلوبهم كشعلة مضيئة إلى آخر أيام حياتهم.

الوطن السعودية 8/1/2007
 

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |