|
بعد نشر مقالتي (أي إسلام ندعو المرأة الغربية إليه؟) أرسل أحد الإخوة المختصين
دينياً إلى صفحة (نقاشات) تعقيباً عليها, ولتميّز تعقيبه بالتهذيب وعدم الانفعال
فإن من واجبي تجاه الأخ المرسل أن أشكره على تكرّمه بإبداء وجهة نظره منتهجاً
الأسلوب الحسن في الاختلاف بالرأي؛ ولكني وإن كنت أتفق معه في أن حكم القضاء بقتل
أي نفس قصاصاً أو حداً لا يتمّ إلا بعد تدارس عميق للقضية فإن ما لا أوافق عليه
قوله أن تلك الأرملة تعتبر في حكم المحصنة ولذلك كانت عقوبتها هي الرجم, إضافة إلى
قوله أن حكم رجم الزاني الذي سبق له الزواج قد وصل لمرتبة الإجماع, لأن الحقيقة غير
ذلك إذ إن كل الأحكام الفقهية التي نالت إجماع الفقهاء هي التي يمكن استنباطها من
نص قطعي الدلالة قطعي الثبوت, ولا يوجد في رجم الأرمل أو المطلّق ذكراً كان أو أنثى
نص يتصف بهاتين الميزتين, لا في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة, بل إن رجم
الزاني - أو حتى جلده – في العهد النبوي لم يُقَم على أحد إلا باعترافه, بدءاً من
الغامدية ومروراً بماعز وانتهاءً بالمرأة المتزوجة التي زنت مع أجير عامل لدى
زوجها, وأما تلك الأرملة - موضوع التعقيب - فهي لم تعترف إلا بعد أن وضعت حملها
وكُشف أمرها, وعلى الأغلب أنها اعترفت مضطرة مكرهة إذ ليس لديها أي سبيل للإنكار,
عكس شريكها في الزنا الذي وإن كنت أتفق مع الأخ المرسل في أنه ليس من الوارد شرعاً
البحث عنه وإقامة الحد عليه بسبب أن إقامة الحد غير ممكنة دون اعتراف مرتكب الزنا
بفعلته, لكنّنا هنا أمام حالة خاصة هي أن المرأة أيضاً لم تعترف إلا بعد اكتشاف
فعلتها, فلو أن الطبيبة التي قامت بتوليدها أو المركز الصحي الذي ولدت به ستر عليها
- كما هي سنة النبي عليه الصلاة والسلام (لو سترته بثوبك لكان خيراً لك)- لما علم
بفعلتها أحد, فهنا وجه الاختلاف بيني وبين الأخ الكريم إضافة إلى تأكيدي لرأيي
السابق بأن هذه المرأة ليست مُحصنة لأن الإحصان بالنسبة للرجل والمرأة يتمثّل في
وجود الزوج الذي هو بمثابة الباب للقلعة فإذا كُسر الباب لم تعد القلعة مُحصَّنة
أمام أي غزو؛ علماً بأنه رأي كل من الشيخين مصطفى الزرقا ورشيد رضا وغيرهما, ناهيك
عن رأي بعض الفقهاء بأن آية جلد الزاني في سورة النور ناسخة لحديث رجم الزاني
المحصن, وهو ما ذكره الدكتور يوسف القرضاوي في مذكراته عن الشيخ محمد أبو زهرة الذي
جابه بهذا الرأي مؤتمر التشريع الإسلامي المنعقد في ليبيا عام 1972 مستنداً في ذلك
إلى الآية الكريمة:(فإذا أحصنّ فإن أتين بفاحشة فعليهنّ نصف ما على المحصنات من
العذاب) لأن الرجم عقوبة لا تنتصف.
لا ريب أن ردّي على الأخ الكريم قد تأخّر بعض الشيء
لكن الذي استدعاه الآن كثرة الجرائم ومعها شدة
العقوبات, ورغم الخبر الجميل الذي تضمّن اتجاه بعض
القضاة نحو العقوبة الإيجابية للجاني وذلك عن طريق
خدمة المجتمع فإن أخباراً أخرى لا تَسرّ تجعلنا كمن
يسير خطوة إلى الأمام وعشر خطوات إلى الوراء, وقد جمعت
العربية.نت نهاية الأسبوع الماضي خبرين متناقضين في
نفس الوقت عن القضاء, فالأول أورد رأي بعض القضاة
بإلغاء عقوبة السجن التي لا يستفيد منها الجاني شيئاً
واستبدالها بأفعال تهدف إلى الصالح العام, وأما الثاني
فقد كان نقلا عن صحيفة الوطن حول طبيب عربي يعمل في
المستشفى التخصصي بالطائف أساء إلى زميلة بتشويه
سمعتها, وتمّ الحكم على الطبيب بالجلد في المستشفى
نفسه, وهو خبر محزن جداً ليس للإهانة التي تعرض لها
هذا الطبيب وليس كما علّق بعض قراء العربية متسائلين
حول تطبيق العقوبة فيما إذا كان هذا الطبيب سعودياً,
لكن لأن عقوبة الجلد نُفِّذت في المستشفى, حيث هو مكان
لطلب العلاج وتخفيف الآلام وليس مكاناً لتطبيق
العقوبات العنفية حتى لو كانت شرعية؛ وإذا كنت في
مقالتي السابقة تعرضت لموضوع الضرب في المدارس وضرورة
إلغائه حيث أن المدرسة مؤسسة تربوية تعليمية سلمية,
فما يقال عن الضرب في المدرسة يقال عن الجلد في أي
مؤسسة حكومية ذات طابع مدني فكيف إذا كانت هذه المؤسسة
مركزاً طبياً ذا أهمية كبرى في العلاج والبحث العلمي
السلمي كأي مستشفى تخصصي في المملكة؟ ثم إن الجلد
عقوبة على قذف المحصنات المؤمنات بالزنا, والخبر لم
يورد في ثناياه ما يدل على جريمة القذف ولا أدري إن
كان ذلك قد سقط سهواً أو أنه غاب عن بال محرر الخبر,
لكن ماذا عن الخبر الآخر الذي أوردته الوطن عن الطبيبة
التي قام أحد المواطنين بضربها أمام المراجعين؟ آمل من
الوطن أن تتابع الأخبار الرهيبة هذه والتي يكون
ضحاياها ممن يلقّبون بملائكة الرحمة لنعلم إن كانوا قد
انقلبوا شياطين فعاجلهم الله بعقوبة الجلد أو الضرب في
الدنيا أم إن ذلك الذي تجرأ على طبيبة وضربها أمام
الناس أقل جرماً من ذلك الذي أساء إلى سمعة الطبيبة
الأخرى؟ الإساءة المعنوية موجودة في الحالتين, فالأولى
موجَّهة للجسد الذي يعبر عن الكرامة, والثانية موجَّهة
للعرض الذي يجسّد الشرف, وكلاهما أي الشرف والكرامة
إذا تعرضا للأذى فلا بد من عقوبة رادعة وقصاص عادل.
بعيداًعن جرائم الشرف والكرامة يرد السؤال: ماذا عن
الجرائم الأخرى؟ ما هي العقوبات الرادعة التي تمنع
انتشار الجريمة في المجتمع؟ ما أعتقده حقاً هو أن
عقوبات الإسلام المنصوص عليها شرعاً في حالات التجاوز
قاسية ولكنها رادعة, فقصّ يد السارق ستجعله عبرة لمن
لا يعتبر وجلد المعترف بالزنا مطهرة له ودرس لغبره,
وهلّم جرا.. لكن هذه العقوبات تؤتي أكلها في السِلم
النفسي والأمن الاجتماعي في حال تآلف عدة عناصر أهمها
تطبيق مبدأ الثواب والعقاب في كل المستويات بدءاً من
الأسرة ومروراً بالمدرسة والجامعة وليس انتهاء بأماكن
العمل, لأن من يعتاد أن يرى للقانون مكاناً سامقاً في
بيئته لن يقبل إلا بتفعيله في كل مكان وزمان إذ يعرف
أن هذا القانون ما وُجد إلا لمصلحته ومصلحة الأفراد
الآخرين, أما من عاش وهو يرى المجتمع من حوله يستخف
بالأفعال الشائنة ويتفاخر بها بعض الأفراد أحياناً دون
أي رادع قانوني أو تنديد جماعي فكيف سيشعر بالأمن
والأمان؟ لا أريد أن أعيد بعض ما ذكره الكتاب الآخرون
من عدم اتساق العقوبات مع الجرائم سواء كانت خطفاً أو
اغتصاباً أو غير ذلك, لكن أودّ أن أعرض ما حصل مع ابني
الصغير (15 عاما) وهو من هواة اللعب بكرة السلة, وبما
أن النوادي الرياضية لا تهتم بهذه اللعبة لأسباب عدة
أهمها تفضيل كرة القدم, فقد وجد ابني مع بعض أصحابه
مكاناً فسيحاً لممارسة هذه الهواية, متفقين على شراء
الحلقة التي تُمرَّر عبرها الكرة بتقسيم المبلغ عليهم
ولكنهم عندما اشتروا الحلقة الأصلية من النحاس وثمنها
400 ريال اضطروا لفكّها بعد انتهاء اللعبة وتركيبها في
اليوم التالي كي لا يسرقها بعض الحثالة, وفي المرة
الوحيدة التي تركوا الحلقة مكانها ليرتاحوا قليلا
بتناول بعض المرطبات سُرقت الحلقة, ولقد أثرت بي
كلماته وهو يقول باستنكار ممزوج بنبرة حزن: تصوري أنهم
يسرقون حلقة كرة السلة! أصبحنا نشتري حلقة من حديد لأن
ثمنها ربع ثمن الأصلية التي يستغرق فكها وتركيبها ساعة
كاملة ويحتاج سلّما في كل مرة.
ابني تعرض في الصيف الماضي لخبرة سيئة أخرى عندما سُرق
جواله الذي وفّر ثمنه من مصروفه الشخصي رغم أنه خبّأه
في مكان قريب من ساحة اللعب, وإذا ذكرت تكرر حادث
السرقة في حياة ابني فهو بقصد الإشارة إلى تراكم خبرات
الشعور بالظلم لدى الطفل أو المراهق دون وجود مناصرة
من أحد يمكنه إعادة حقّه له؛ وبالطبع أنا كأم يسرني
انشغال ابني بممارسة الرياضة في هذه السن الحرجة ولكن
الذي يؤسفني هو رؤيتي لاغتيال فرحته وأصحابه من قِبل
يد لا يعاقبها أحد, فإذا كان ابني – وبعض أقرانه -
لديه ضمير ذاتي يكفل وقايته من التفكير بالانتقام من
اللصوص الذين قد يكون لديهم دوافع للجريمة أكبر بكثير
من مجرد السرقة, أو يمنعه من التفكير الشرير بالانتقام
من غيرهم بما أنه لا يعرفهم, فهل يضمن المجتمع أن كل
الأولاد سيكون لديهم نفس القدرة على ضبط النفس وعدم
القيام بأي تصرف عدواني عندما يتعرضون لموقف مشابه؟
هناك مثل عامي يقول: خذ ثأرك من جارك, بمعنى أنك إذا
لم تستطع تحصيل حقّك ممن جنا عليك فيمكنك أن تخطئ مع
غيرك, ومع أن هذه المثل سيء لكنه قد يكون الوسيلة
الوحيدة أمام بعض المراهقين عندما لا يجدون من يعيد
لهم الحق, وقد يفعِّل آخرون المثل القائل:(حقّي
بذراعي) فيقوم كل فرد بأخذ حقه بطريقته الخاصة وعندها
يصبح المجتمع غابة وتتحكم في الناس غرائزهم الأشد
بدائية.
ليست كل السرقات تقتضي قطع اليد, كما أنه ليس كل تشويه
للسمعة يوجب الجلد, وإذا كان تحديد العقوبات بوضع
قانون شامل وعادل بات أمراً ضرورياً, فإن من الضروري
أيضاً وضع حد للتسيب والفوضى خاصة تلك الناجمة عن
مجهولي الهوية سواء كانوا من المواطنين كالنساء مثلا
أو كانوا من الوافدين الذين لا يحملون إقامات نظامية,
والأهم من كل ذلك تكريس عادة الإيجابية والشعور
بالمسؤولية والتكافل والتكاتف لردّ الظالم عن ظلمه دون
تفريق بين إنسان وآخر وبغضّ النظر عن الجنس والجنسية
والمكانة الاجتماعية.
الوطن السعودية 1/1/2007 |