|
تشكو لي إحدى صديقاتي هذه الأيام من ابنها المراهق الذي اكتشفت أنه يدخن, وعندما
واجهتْه بذلك أنكر, ومع ازدياد تمرّده يوما بعد يوم تدّخل الأب في التربية, فما كان
منه إلا أن اتّبع الضرب كوسيلة لإعادة الأمور إلى نصابها, ففي مجتمعاتنا العربية
يسود مفهوم أن الأب شرطي فقط أي أن مهمّته التدخل لممارسة السلطة العنيفة, واعتدل
الولد يومين ولكنه اعتدال ظاهري غير مصحوب باقتناع داخلي, فأصبح يتأخر أكثر في
العودة إلى المنزل خاصة عندما يعلم بأن والده غير موجود, أما والدته فقد بيّن لها
وجهة نظره بأنها مجرد "حرمة" لا يحقّ لها أن تنصحه فكيف إذا ظنّت أنّ بإمكانها
تأديبه؟! وهكذا تستمر الشكوى وتتكرر من بيت لبيت, فلا نسمع إلا أن الأب قام بضرب
الابن بدل الحوار معه ومعرفة دوافعه لأي سلوك خاطئ؛ وأنا شخصياً إن كنت أوافق على
أن بعض الأولاد يحتاجون في بعض الأحيان إلى الضرب كوسيلة للتأديب لكنه – برأيي -
الاستثناء لا الأصل في أي عمر كان به الناشئ, وإن كنت أرى أن أي عقوبة يجب أن يتمّ
الاتفاق عليها بشكل مسبق من قبل الأبوين معاً, وإذا كان الطفل بعمر أقل من سبع
سنوات فالأفضل أن تضربه الأم بشكل لسعات خفيفة بيدها فقط لأن قلبها الحنون –
عموماً- سيمنعها من التمادي في إمضاء هذه العقوبة التي هي آخر الدواء؛ ولكن ما لا
أوافق عليه أبداً أن يُضرب المراهق بعد وصوله سن البلوغ, وكذلك أن يضرب الطالب في
المدرسة التي هي هي مكان تعليمي تربوي سِلمي, والعقاب الذي يُفرض على الناشئ يجب أن
تقتصر على حالات قلة الأدب إذ تكفي عقوبة إنقاص العلامات في حال التأخر الدراسي عن
الرفاق, ولا بد أن تكون عقوبة قلة الأدب في المدرسة مناسبة للخطيئة التي ارتُكبت,
ولكنها ليست الضرب بأي حال, والعقوبة التي أراها الأنسب هي الاحتجاز في المدرسة
لعدة ساعات يومياً يشترك فيها الناشئ بعمل مفيد كتنظيف الملعب أو تشذيب الأشجار أو
مسح رفوف المكتبة وما شابه, وبالطبع فإن الكبائر لها عقوبات مختلفة عن الصغائر,
وإذا لم يعاقب المخطئ فإنه سيستمر في أخطائه مسرِّباً العدوى إلى غيره من الطلاب
حتى تستفحل المشكلة وتتحول إلى ظاهرة لا يمكن السيطرة عليها.
هذا الاستطراد في مقدمة المقالة استدعاه – ربما –
الجدل الناجم عن محاضرة وزير التربية والتعليم السابق
الدكتور محمد بن أحمد الرشيد والتي بيّنت مدى اقتناعه
بإلغاء الضرب في المدارس, وقد أكد على هذا الاقتناع
بمقالة رائعة في صحيفة الرياض بعنوان (خيار المربين لا
يضربون), لذا لا بد من الإشارة إلى أن الضرب يزيد
الفجوة بين المربين والناشئ, وهو يُظهر مدى تردّي
العلاقة بين الأجيال, وتبعاً لذلك فإنه يجب أن يكون
فقط سلاحاً ضمن الأسرة وبيد الأبوين فقط بعد استنفاذ
كل أشكال الإصلاح الأخرى للطفل, ويجدر التنبيه هنا إلى
أن الوالدين كثيراً ما يلجآن منذ بواكير الطفولة إلى
ضرب الطفل دون إفهامه أين خطئه ودون الحوار معه بأي
شكل, لذلك سيتشكّل لدى هذا الطفل انطباع خاطئ عن نفسه
بأنه لن يفهم المراد منه إلا بالضرب, وقد يستنكر بعض
الأشخاص قضية الحوار مع الطفل على أساس أنه لا يفهم
بالكلام, وهو استنكار في غير محله وقد أشرت في إحدى
مقالاتي إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام استخدم
الحوار مع الحسن أو الحسين وهما ما زالا في سن صغيرة
جداً, وذلك عندما وضع أحدهما تمرة من تمر الصدقة في
فمه فقال له الرسول (كخ.. كخ.. أما علمت أنا لا نأكل
الصدقة؟) وكلمة كخ كلمة فارسية تعني "أخرج من فمك" وهي
عادة تستخدم للأطفال قبل سن الكلام, فهذا الرسول عليه
الصلاة والسلام يحاور سِبطه وهو ما زال يحبو.
أذكر أني تناولت ضرورة الحوار مع الأولاد في أكثر من
مقالة, ولكن المفاهيم الكبرى بحاجة إلى التكرار
والإعادة حتى تصبح نافذة المفعول, ومما أورده هنا
محادثة دارت بيني وبين زوج مريضة, هو بعمر يزيد عن
الخامسة والستين وهي زوجته الثانية وله منها أطفال
وعمرها فوق الأربعين, ومع ذلك فالرجل يريد المزيد من
الأطفال رغم تكرر الإجهاض, فما كان مني إلا أن أوضحت
له عواقب حمل المرأة بعد سن الأربعين وأهمّها تشوهات
الأجنة التي تؤدي إلى عدم اكتمال الحمل, وهو على سوئه
خير من اكتمال الجنين تسعة أشهر ونزوله مشوّهاً, فكان
ردّ الرجل على كلامي رداً تقليدياً طالما سمعته, من أن
النبي عليه الصلاة والسلام أوصى أمته بالتكاثر ليفاخر
بها الأمم, وأوضح لي أن زوجته الأولى حملت عشرين مرة
وأسقطت خلالها عدة مرات وتوفي له عدة أطفال ولا يزال
لديه عشرة أحياء منها, لكنه يقصد تطبيق السُّنة,
فأخبرته أن التربية لم تعد سهلة بل هي المهمة الأصعب,
فالتلفزيون يربي والشارع يربي وغير ذلك, فقال لي:(إذا
أخطأ أحد أولادي فإني أقول له: هات العصا, فيجلبها
معترفاً بذنبه ومقرّاً بخطئه ويأكل نصيبه!) فنظرت إلى
هذا الرجل الذي أعلم بإصابته بعدد من الأمراض كالضغط
والسكر وهو ما يمنع قدرته على الإنجاب, وفضّلت الصمت
لأني لا أحب إسداء النصائح كثيراً خاصة إذا أبدى المرء
استغناءه عنها, ولكني أدرك أن الفجوة العمرية بين
الأجيال إذا زادت عن أربعين عاماً فإن التفاهم غير
ممكن إلا في حالات استثنائية, فكيف إذا وصلت إلى حد
الستين عاما؟ من خبرتي الشخصية ومما رأيته في حياتي
ومما تعلمته طبياً أن الرجل بعد الستين يسمى "شيخا"
فهو بحاجة إلى من يعتني به فكيف يستطيع أن يأخذ على
عاتقه مهمة التربية؟ عدا أني طالما سألت نفسي فيما إذا
كنا فعلا نحن الأمة التي يفاخر بعددها الرسول الكريم,
وهو الذي علّمنا أن الكيف يسبق الكم, وهو الذي أُنزل
عليه القرآن يذكر عدة المؤمنين الصابرين الذين قد
يكونوا عشرة فيغلبوا مائة وقد يكونوا مائة فيغلبوا
ألفاً, وهو القائل:(درهم سبق ألف درهم) وذلك عندما
يكون هذا الدرهم موضوع في مكانه وزمانه وخالص لوجه
الله, ولا شك أن الولد كالمال فكلاهما من كسب الأبوين
وخاضع لقيمهما في تربية الأول والتصرف بالثاني.
فقدان الحوار بين المربين والنشء يسبّب عواقب وخيمة
تتبدّى في ضعف الشخصية والشعور بعدم القيمة وهذا مؤداه
الانعزالية أو العدائية أو الهروب من العائلة وكثيراً
ما يكون هذا الهروب إلى أقران السوء والمخدرات لنسيان
الواقع الأليم؛ وإذا كان فادحاً خسران العائلة لأحد
أولادها الذكور فإنه أصعب وأفدح في حالة الفتيات, وقد
ناقشت إحدى حلقات برنامج "أمن وأمان" على القناة
السعودية الأولى مؤخراً مشكلة إدمان الفتيات, وسببه
تمرد الفتاة أو افتقادها الأمان في العائلة, وبما أن
المشكلة موجودة في كل مجتمعاتنا العربية فلا يفيد
إخفاؤها أكثر, وثمة تحقيقات من مصر وسوريا وغيرهما عن
هروب الفتيات بسبب تعدّي الإخوة أو تحرشهم الجنسي, وقد
بدأ إلقاء الضوء على هذه المشكلة علناً -في الصحف
المحلية وفي بعض اللقاءات الاجتماعية- التي إن كانت
مقتصرة على بعض البيئات المختلة تربوياً فإن الأكثر
انتشاراً هو بحث الفتاة عن الحب خارج البيت بعد أن
فقدته داخله, وفي هذه الحالة قد تنشأ علاقة شاذة
عاطفياً بين الفتاة وبين إحدى صديقاتها التي قد تكون
امرأة أكبر سناً منها, تمارس دور الأم الحنون وفي نفس
الوقت ترمي الفتاة في جحيم الدعارة أو المخدرات أو
العلاقات المثلية؛ وإذا استثنينا بعض الحالات التي تصل
فيها الفتاة إلى سن كبيرة نسبياً بدون زواج ولديها
عملها وموردها الخاص فتستقل عن أسرتها – بعد وفاة
والديها غالباً - مع بقائها على اتصال مع أهلها, فإن
ما يخشى منه هو هروب الفتيات الذي يأخذ شكل التمرد
ورفض أي صلة مع الأهل, وقد نشرت الوطن
بتاريخ20/12/2006 خبرا عن هروب فتاة سعودية خلال
زيارتها مع أسرتها إحدى الدول الخليجية وزواجها عرفياً
من مقيم عربي يعمل هناك, وأهم ما جاء في الخبر –
برأيي- هو ما ذكرته الأم التي رجّحت أن يكون هروب
ابنتها بسبب كثرة مراقبتها وتضييق الحصار على تصرفاتها
مؤكدة أنها نادمة على عدم إعطائها فرصة التفاهم معها
أو مناقشة حججها.
في "قصة نفس" للدكتور زكي نجيب محمود التي رسم فيها
شخصيته على شكل رجل أحدب لما يحمل من هموم الحياة أوضح
أن من أهم أسباب انعزاليته هو الأسلوب العنيف في
التربية الذي كان يتبّعه والده معه, وهو نفس الأسلوب
الذي كان يتبنّاه بعض المدرسين, فإذا كان أسلوب الضرب
والعنف معهوداً منذ مائة عام, فإنه لم يعد يجدي نفعاً
بل يزيد السوء سوءاً والطين بلة والفجوة اتساعاً,
وكلام الأم في خبر "الوطن" أكبر دليل على أنه لا بديل
عن الحوار, والسؤال لها ولأمثالها: لماذا نوصل أولادنا
إلى التشرد ونضطر فتياتنا إلى الهرب ونحن نعلم أن هناك
الكثير من الشر الذي ينتظرهم على أحر من الجمر؟
الحقيقة أننا عندما نوصد أبواب الحوار مع أولادنا
وبناتنا فإننا نفتح لهم أبواباً كثيرة إما نحو الأمراض
النفسية أو نحو مستقبل مجهول قد يكون في بيت الزواج
العرفي الذي ينقطع حبله عند أول هبة ريح حيث لا سند له
من العائلة, وقد يكون هذا المستقبل في بعض أوكار
الجريمة, وعندما يضع الولد – أو الفتاة – رجله في
بداية المنحدر لن يكون مصيره سوى الانزلاق ما لم يجد
حوله يد الأهل يتشبث بها قبل النهاية والانحدار.
الوطن السعودية 25/12/2006
االوطن |