|
وافق يوم الجمعة الماضي اليوم العالمي للإيدز, وقد استبق برنامج "حوار من الداخل"
المناسبة فخصّص حلقة الأسبوع الماضي للإيدز في المملكة, ولا يخفى تميّز هذا
البرنامج من ناحية كشفه النقاب عن كثير من القضايا المسكوت عنها في مجتمع محافظ,
وهذا يرجع إلى معدّ البرنامج ومقدمه الأستاذ كمال عبد القادر وما يتصف به من جرأة
وحنكة وحضور إعلامي يتضح في نبرة الصوت ولغة الجسد المتفاعلة مع الآخر سواء كان في
الأستوديو أو على الهاتف؛ وإذا كان للأسلوب مردوده في الجاذبية الإعلامية فإن
الطابع الإنساني الذي يغلب على بعض الحلقات يضفي مضموناً أكثر تأثيراً كالحلقة التي
استضافت جمعية "إبصار" للمكفوفين وألقت الضوء على معاناتهم واحتياجهم للدعم المادي
والمعنوي؛ أما الحلقة التي تدور حول موضوعها هذه المقالة فقد حازت قصب السبق في
الجانبين معاً أي في الأسلوب الإعلامي والمضمون الإنساني, إذ استضافت رجلا وامرأة
مصابين بمرض الإيدز.
ملخص الحلقة لمن لم يرها أن المريض أحمد شاب في العقد
الثالث من عمره, أصيب بالإيدز نتيجة لممارسة جنسية غير
شرعية, ومع أنه خضع لعمليات جراحية قبل اكتشاف مرضه,
وهو الأمر الذي يتيح له إرجاع سبب المرض إلى نقل دم
خاطئ أو أدوات جراحية ملوثة, لكنه آثر أن يكشف عن خطئه
كي يكون عبرة لغيره من الشباب في البعد عن طريق
الفاحشة؛ وقد نقل أحمد المرض لزوجته التي عانت منه في
حملها الثالث مما أدى لوفاتها ووفاة الجنين, وبينما
يعيش أحمد وحيداً فإن لديه طفلتين بعمر 7 و9 سنوات
يعيشان في كنف جدّتهما, لأنه عاجز عن إعالتهما بعد أن
فقد وظيفته عندما اكتُشف أمره كمصاب بالإيدز, وبرغم
أنه الآن بصحة جيدة خاصة مع تناوله للعقاقير الموقفة
لنشاط الفيروس, فهو عاطل عن العمل بسبب انتشار الوعي
الصحي الذي يخوّل رجال الأعمال طلب تحاليل خاصة بالمرض
وغيره من الأمراض المعدية, ولكن هذا الوعي الصحي لا
يوازيه وعي اجتماعي بكيفية تقبّل مريض الإيدز ومساعدته
على الحياة الكريمة دون أن تكون إصابته وصمة عار إلى
الأبد.
وأما فاطمة فقد كانت زوجة لمدمن مخدرات عن طريق الحقن
فنقل لها المرض, مع الإشارة إلى أن فاطمة التي غطت
وجهها بالكامل لم تعزُ السبب لزوجها بشكل أكيد, بل
استجمعت شجاعتها مشيرة إلى الخلل الاجتماعي الذي لا
يتقبّل أن يكون للمرأة أي علاقات خارج إطار الشرعية من
أي نوع بينما يبررّها للرجل, والحق يقال إن هذا
التمييز بين الرجل والمرأة ثاوٍ بعمق في الذهنية
العربية دون تفريق بين مجتمع وآخر, ولا يعني هذا
الكلام تبرئة المرأة من الذنب لكن عندما يقع اثنان في
الخطيئة فإن عقابهما في شرع الله واحد, وهو ما لا يحصل
في كثير من بلادنا العربية إذ ينجو الرجل من الملامة
وتحمل المرأة وحدها وزر الخطيئة بسبب مفاهيم ظالمة ما
أنزل الله بها من سلطان كقتل الشرف المحروس بسلطة
القضاء في بعض البلاد العربية التي ترزح تحت وطأة
قوانين متخلفة لا تُستمد من الشرع بقدر ما تُستمد من
موروثات بيئية أو حتى غربية أحيانا؛ وأما مشكلة فاطمة
الحقيقية فهي في إصابة ابنها ذي الثماني أعوام
بالإيدز, لذا لم يكن همّها عرض أزمتها النفسية كمطلّقة
أو ظلم الأسرة لها بتزويجها من رجل غير مسؤول, بل كان
كل تركيزها على معاناتها كأم لطفل مصاب بالإيدز؛ وماذا
أقول عن دموع فاطمة التي بلّلت غطاء وجهها؟ وماذا أقول
عن لسان كمال - الطويل في الحق- الذي انعقد بلجام
الحيرة أمام دموع امرأة تقول: ها أنذا قوية بجسدي لا
ينقصني شيء مما ينقصكم, ولكن ابني أمانة في أعناقكم,
فلماذا ترفضونه لمجرّد علمكم بإصابته؟ إذا قبلت قضاء
الله بمرضي ومرضه فلم لا تقبلونا أنتم؟ وإذا كنت
أتحمّل ذنبي الشخصي أو ذنب والده فما ذنبه هو كطفل؟ آه
يا فاطمة أسئلتك كبيرة وكثيرة لكن جواب أسئلتك كلها في
شيء واحد هو التقبل الاجتماعي لمريض الإيدز, فهل هو
ممكن؟
منذ عشر سنوات تقريباً عرضت القناة السعودية الثانية
فيلماً أمريكياً مقتبساً من قصة حقيقية لمصابة بالإيدز
منذ طفولتها ودارت أحداث القصة منذ عشرين عاماً
تقريباً أي بعد اكتشاف فيروس الإيدز بسنوات فقط, وقد
عانت الطفلة كثيراً من طوق العزلة المفروض عليها من
قبل زميلاتها ومعلماتها في المدرسة, ووجدت الأسرة الحل
بانتقال عمل الأب إلى ولاية أخرى, كي تعيش ابنته بسلام
نفسي بعيداً عن نظرات العيون وهمسات الشفاه, ولا أذكر
كيف انتهى الفيلم ولكن العذاب النفسي الذي عاشت فيه
الأسرة لم يكن سهلاً, فقد كانت أمام خيارين أحلاهما
مر: إما المصارحة وإما الإخفاء, لأن صوت ضمير الأبوين
كان يقرِّعهما دائماً خشية أن تنتقل العدوى صدفة إلى
من يحاول إسعاف الفتاة في حال وقوعها وخروج الدم من
جسدها فيكون المسعف هو الضحية.
هذه الإشكالية في قضية التقبل الاجتماعي لمريض الإيدز
جاءت على شكل سؤال وجّهه أحد المتصلين بالبرنامج لكمال
شخصياً:(هل يمكن أن تسمح لابنك بالجلوس إلى جوار تلميذ
مصاب بالإيدز؟). لا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يجيب على
هذا السؤال بنعم خوفاً أن تحمل الإجابة استهتاراً
بطاعون العصر؛ وفي الجانب الآخر على الهاتف كانت
الدكتورة سناء فلمبان مديرة مستشفى الملك سعود ومنسقة
برنامج مكافحة الإيدز بمنطقة مكة المكرمة فذكرت بعض
الإحصائيات التي تدل على ارتفاع نسبة الإصابة بمرض
الإيدز في المملكة, وإذا تساءلنا عن سبب الازدياد
بالمملكة في الوقت الذي انخفضت نسبة الإصابة به في بعض
البلاد الأخرى, فإن السبب يعود إلى نقص التعريف به
وطرق العدوى وكذلك التحذير من العلاقات الجنسية غير
الشرعية والتي تشكل 90% من أسباب انتشار المرض في
المملكة.
أما التصريح اللافت للنظر فهو الكلام الشجاع للأستاذة
سهيلة زين العابدين عضوة جمعية حقوق الإنسان لصحيفة
الحياة في عدد الجمعة الماضي إذ قالت:(خطر جداً أن
يكون ارتكاب الفواحش أبرز سبب لانتشار الوباء, في بلد
مناهجه تشهد فيها المواد الدينية كثافة كبيرة, وتغلق
المحالّ لأداء الصلاة, إمعاناً في حمل الناس على
التزام الجادة. يجب أن نسأل أنفسنا بصراحة:ما الدوافع
وراء ارتكاب أولادنا الفواحش؟) وأوضحت أن المشكلة تكمن
في أننا نعلّم أولادنا الدين بتخويفهم من عقاب الله
وناره دون أن نزرع فيهم محبته ومراقبته, ناهيك عن
الصلاحية التي يمنحها المجتمع للذكور في فعل ما يشاؤون
فإذا ضاقت ببعضهم سبل السفر عن المتعة الحرام زنى
بمحارمه, مؤكدة (أن لدينا في الجمعية حالات يشيب لها
الرأس تكشف إلى أي مدى تعاني أخلاق أبنائنا من تردٍّ
خطر) وبيّنت أن الخطاب الديني عزّز هذه المسألة إذ
ركّز على أن المرأة فتنة ومحل غواية, ما جعل الشاب
يتصور المرأة وعاء لتفريغ شهواته في الحلال وفي
الحرام؛ وقد أجملت الحل في بعض كلمات شجاعة أخرى:(بما
أن المجتمع شريك في أسباب إصابة بعض أفراده بهذا
الوباء بسبب إخفاقه في التربية, فإن عليه أن يتقبّلهم
وألا يحرمهم حقوقهم العامة والخاصة, كما إنه لا بد من
توعية الزوجات بصراحة عن الكيفية التي تمكنهن من حماية
أنفسهن من هذا المرض)
لا تفوتني الإشارة إلى الجهود المبذولة من وزارة الصحة
لتقديم العلاج المجاني ولا إلى الخبر المبهج الذي ورد
في السنة الماضية عن تمكين بعض المصابين بالإيدز من
أداء فريضة الحج, لكن كلمات الأخت سهيلة ذكرتني بما
كتبتُه في مقالات سابقة عن قصور المنهج التعليمي
الديني في جرعته الإنسانية كالتعامل مع العاصي في
الستر عليه ومساعدته على التوبة وإدماجه في المجتمع
وكذلك في جرعته الأخلاقية التي تبني مراقبة الله في
تصرف الناشئ عبر توعيته بالأمانات التي منحه الله
إياها في السمع والبصر والفؤاد, كما ذكّرني بما ختمت
به مقالتي (تنظيم الأسرة وأشياء أخرى) عن الحرج الذي
أقع به أمام مريضة أشتبه لديها بمرض جنسي نقله لها
زوجها لما يبدو من عفافها, فأتردّد في إعطاء الدواء
قبل تأكيد التشخيص بالتحاليل التي إن طلبتها فقد تسأل
عن ماهيتها وتدرك أن لزوجها علاقات بنساء أخريات, وعلى
هذا فإن أدواءنا - سواء كانت الإيدز أم غيره- شديدة
الوطأة ليس من الناحية الصحية فقط, بل من الناحية
الاجتماعية أيضاً, ولن يمكن علاجها إلا بمواجهة الواقع
دون التمسك بمقولات طوباوية عن المجتمع المثالي؛ وأهم
خطط العلاج بالنسبة لأحمد وفاطمة هي زواجهما الذي أظهر
البرنامج أنهما يرغبان بإتمامه شرط أن يعمل أحمد,
وأفضل عمل هو وظيفة مرشد طلابي متنقل يحكي قصته لطلاب
الثانوية والجامعات ولا بأس أن تقوم فاطمة بنفس العمل
تجاه الطالبات, وكما أمكن حماية خصوصيتهما في البرنامج
فيجب الاستمرار بذلك في حال عملهما إلا إذا قررا أن
يكشفا عنها في الوقت الذي يختارانه, وذلك كي لا ينعكس
قرارهما على مستقبل أولادهما وبناتهما في مجتمع من
مجتمعاتنا العربية التي يأكل الآباء فيها الحصرم
والأبناء "يضرسون"!
الوطن السعودية4/12/2006 |