الصفحة الرئيسية
  
مساهمات حول "الحياة الزوجية"
 

مجلة السعادة الأسرية والاجتماعية/غزة

 

هل يمكن للحياة الزوجية أن تستمر في ظل عدم شعور الزوجة بشخصية زوجها وهل يمكن للشاب أن يشعر بقيمته وكيانه في طل ذوبان شخصيته أمام زوجته؟

 تعتبر قوامة الرجل على المرأة في الأسرة ركنا أساسيا في قانون الزواج كما أتت به الشريعة المطهرة, وإذا اعتقدنا أن أحكام الشريعة الثابتة أي الواردة في القرآن الكريم والسنة الصحيحة لا يمكن أن تتناقض مع الفطرة الإنسانية بل تساهم في تثبيت دعائم الحياة الطيبة للفرد والأسرة والمجتمع, فإننا ينبغي ألا نخجل من أي حكم شرعي ويجب ألا نعتبره رجعية وتخلفا كما يتخيل بعضهم, ولكن في نفس الوقت ينبغي أن نرفض الرؤية المغالية التي تعمّم قوامة الرجل فيصبح كل ذكر في البيت قوام على كل أنثى حتى لو كان حفيدا وجدة, ويتحول جميع الرجال في المجتمع أوصياء على النساء, فهذا مرفوض لأن مفهوم القوامة يقتصر على الأسرة وبين الزوج والزوجة تحديدا, وذلك واضح من آية القوامة نفسها: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم, فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله, واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) فهي قوامة مخصوصة بحالة الذكورة والأنوثة المتكاملة بين الزوجين ولها بعد جنسي واضح في عبارة (واهجروهن في المضاجع).

لهذه القوامة شرطان ينبغي أن يتحققا وهما: أن يكون الزوج أفضل من زوجته عقلا وأوسع منها معرفة وأقوى منه خبرة, بالإضافة إلى موضوع الإنفاق المالي الذي هو حق للمرأة على زوجها؛ وقد قرر بعض الفقهاء أن الرجل إذا عجز عن الإنفاق على زوجته فإن قوامته عليها تسقط, وإذا لم يكن قواما عليها كان لها فسخ العقد.

أما بالنسبة للشرط الأول فهو يشترك مع مدار تحقيقكم الصحفي وذلك إذا أخذنا بعين الاعتبار أمورا محددة في قوة الشخصية من حيث قوة الإدراك وسعة الأفق وعمق الخبرة الحياتية, فإذا كانت الزوجة تتفوق على زوجها بهذه الأمور هل يمكن أن تقوم بينهما سعادة زوجية رغم اختلال شرط القوامة؟

الجواب: إن أحكام الشريعة الإسلامية جاءت كقاعدة عامة ينتظم تحتها غالبية البشر في غالبية العصور والمناطق, وإذا وجدت استثناءات فهي ليست الأصل في القاعدة العامة, لأن هذه الأحكام تتناسب مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها, فالمرأة - بشكل عام - بحكم تكوينها النفسي ترغب أن يكون شريك حياتها قادرا على حمايتها مستوعبا لضعفها مقدرا لعواطفها, لكن أرجو ألا يُفهم ضعف المرأة أنه يعني نقطة ضعف في شخصيتها, لأنه في الحقيقة كثيرا ما تكون قوة المرأة في ضعفها, وهذا الضعف ليس إلا الضعف العاطفي الذي لا تحلو الحياة الزوجية إلا به, فالمرأة ناقصة عقل ودين هو تعبير من لا ينطق عن الهوى لأنها يجب أن تكون كتلة من العواطف كي تكون جذابة في نظر من اختارته شريكا لها ومكمّلا لنقصها, كما أنها هي تكمل نقصه العاطفي ونضوبه الوجداني؛ ولكن لا يعني هذا أن تكون المرأة فاقدة لعقلها أو مبالغة في عواطفها, بل المقصود هو أن دفء عواطف المرأة يضفي على الحياة ألقا ورونقا وسحرا.

ماذا لو انقلبت الآية وشعرت المرأة أنها متفوقة على زوجها أو شعر هو أنها أكثر نضجا منه؟ هل يمكن أن تستمر بينهما السعادة الزوجية؟ في حالات استثنائية لا يمانع الرجل أن تكون زوجته أنضج منه, وقد نلاحظ أن بعض الرجال العاطفيين يجدون سعادتهم مع نساء صلبات, وكذلك فإن بعض الرجال يرغبون في نساء أكبر منهن عمرا لأنهم يريدون امرأة تفهمهم وتستوعبهم بحكم ظروفهم, فالموضوع لا يخلو من إيجابيات بالنسبة لبعض الرجال الذين يعانون من تدفق عواطفهم بشكل زائد أو يبحثون عن حنان عميق, لكن إذا عدنا إلى الشكل العام وبحثنا عن سر السعادة الزوجية لدى زوجين فهي أنهما يكملان بعضهما بعضا, وهذا الشكل العام غالبا ما يكون حيث الرجل أكثر خبرة من المرأة في كل شيء. وعموما فإن النساء لا يعجبن بالرجل ذي الشخصية الضعيفة أو قليل الخبرة, كما أن الرجل - على وجه العموم - لا يرغب في امرأة تكون معلّمة له أو أذكى منه, وأسمح لنفسي أن أكون أكثر صراحة فأقول: إن الزوج كثيرا ما يرجع نجاحات زوجته إلى أنه هو من كان وراءها, ونادرا ما نسمع في مجتمعاتنا العربية من يهدي نجاحه وتفوقه إلى زوجته, وإذا صرح بذلك رجل ما فأنا شخصيا أعتبره شديد التحضر والتهذيب.

الآن مع انقلاب الآية وإنفاق المرأة على نفسها وأولادها وأحيانا كثيرة على زوجها نفسه, أو لاضطرار المرأة للقبول بأي أحد كي لا يطلق عليها اسم عانس؛ فإن كثيرا من النساء يشعرن بالغبن, وقد لا يشعرن بذلك في الواقع إذا أردن أن يكذبن على أنفسهن وعلى غيرهن ويتجملن لتزوير واقعهن, فيعود هذا الشعور إلى الوراء ويختفي في اللوحة الخلفية للحياة الزوجية؛ ولكنه كثيرا ما يطفو على السطح عند إرادة الرجل ممارسته القوامة التي تخوِّل له حق الطلاق مثلا أو حق تعدد الزوجات؛ فتعلو صرخات الزوجة التي تظهر أنها كان مغبونة في زواجها لأنها أنفقت مثل زوجها في البيت وذهبت جهودها أدراج الرياح, أو أنها كانت مخدوعة في زوجها وأنه لا يحق له القوامة عليها وهو أقل خبرة أو أضعف شخصية منها.

إذا كان الزوجان يتحليان بقدر جيد من الوعي والأخلاق فليس بالضروري أن يخلق أي فارق في قوة شخصية كل منهما عثرات في طريق حياتهما الزوجية, ومن المهم أن يعرف كل من الزوجين أن الكمال البشري مستحيل, كما أن السعادة - سواء كانت في الحياة الزوجية أو غيرها- هي شعور نادر, فالأيام يوم لك ويوم عليك, لذلك يجب أن يساعد كل منهما الآخر على تجاوز نقاط الضعف الموجودة في شخصيته, وهذا غير ممكن إذا لم يعوّدا نفسيهما على ثقافة اتخاذ العذر والتسامح, والنظر قدر الإمكان بعين المودة لأن عين الكره تكبّر الأخطاء وتركّز على السلبيات وهذا من أشد ما يقصم ظهر الحياة الزوجية.

كذلك فإن وعي الأبوين ودرجة المحبة التي يكنّها كل منهما للآخر تنعكس على الأولاد, وإذا اعتبر الزوج والزوجة أنهما كلّ متكامل وأن رقم 1 إذا وضع إلى جانب 1 لا يعني اثنين فقط بل يعني 11, وأنهما مسؤولان عن تأسيس أسرة متحابة متفاهمة فإن بإمكانهما تأجيل الخلافات الناجمة عن فروق الشخصية أو اختلاف الطباع أو غير ذلك, إلى وقت لا يكون الأولاد فيه متواجدين, فالخلافات الزوجية يجب أن تحلّ بعيدا عن الأولاد, وعلى كل حال فإن الطفل بحكم حساسيته المبثوثة في براءته يشعر بالخلاف بين أبويه مهما حاولا أن يتسترا عليه, لذلك فإن اختيار الشريك يجب أن يقوم على أسس هامة تمنع وجود الخلافات أو تقلل منها مستقبلا, وأهم ما أنصح به الشباب المقبلين على الزواج هو الصراحة التامة وأن يبنى الزواج على أساس الاختيار الواعي والشعور بالقبول للطرف الآخر, ويجب ألا يكون قرار حياتي كقرار الزواج مبنيا على أي مصالح آنية أو نزوات عاطفية أو أهداف مادية أو صادرا عن ظروف انفعالية أو إرادة غير حرة, وإلا فإن سفينة الزواج تكون مهددة بالغرق في أية لحظة.

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |