|
ربما كانت أفضل إجابة مباشرة عن هذا السؤال تتمثل في تلك
العبارة التي تُستخدم في أمريكا
(It depends)،
بمعنى ان الإجابة تعتمد على الزاوية التي ينظر من خلالها
السائل أو المجيب أو كلاهما الى موضوع السؤال. ففي حين أكد
الرئيس الأمريكي ان السبب يتمثل في “انهم يكرهوننا” أو ببساطة
في “أنهم يكرهون حريتنا وتقدمنا”، أصر أسامة بن لادن على ان ما
جرى هو بمثابة دَين يُردُّ الى أمريكا جزاء ما اقترفت من آثام
تجاه العرب والمسلمين. وبين هذا وذاك دُبِّجت مقالات وسُطِّرت
كتب وطُرحت تحليلات حاولت وتحاول الإجابة عن السؤال الكبير
الذي لا يزال يشغل شرائح عديدة من البشر، من رجل الشارع العادي
البسيط في مشارق الأرض ومغاربها، الى صانع القرار السياسي
والعسكري والاقتصادي، مروراً بآلاف المثقفين والمؤرخين
والباحثين والإعلاميين.
والحقيقة ان البحث عن إجابة لهذا السؤال تُعتبر ضرورية لأنها
من ناحية تضع حدث 11 سبتمبر/ايلول في اطاره التاريخي الأكبر،
ولأنها من ناحية أخرى تساعد على فهم ماذا جرى بعد سبتمبر/ايلول.
غير ان من الأهمية
بمكان في رأينا النظر الى ذلك الحدث لا على أنه نقطة البداية
لسلسلة تالية من الأحداث، وإنما على أنه نتيجة يمكن فهم حصولها
منطقياً اذا أمكن للمرء ان يقرأ المقدمات التي سبقته وأدت اليه.
وإضافة الى هذا، فإن من الممكن النظر الى حدث سبتمبر على انه
الاشارة الأكثر وضوحاً على ولادة عالم جديد بدأ يتشكل قبل ذلك
بسنوات.
وإذا كان من الخطأ المنهجي الادعاء بأن أحداً يمتلك القدرة على
الاطلاع على كل الاجابات التي طرحت لذلك السؤال، إلا أن الشيء
المعروف من خلال متابعة المنابر الإعلامية والثقافية الاساسية
في الشرق والغرب، هو ان الغالبية العظمى من الإجابات بدأت
محاولتها للحصول على الاجابة من خلال البحث في التفاصيل. ففي
حين قزّم البعض مستوى البحث الى درجة حصر خلفيات مثل هذه
الحادثة الكونية في شخص مثل أسامة بن لادن أو مجموعة مثل
القاعدة، أطلق آخرون العنان لمخيلاتهم وقاموا برسم سيناريوهات
تآمرية في غاية التعقيد، تراوح فيها المسؤول المباشر عن الحدث
من الحكومة الأمريكية نفسها الى الموساد “الاسرائيلي” مروراً
بالجماعات اليمينية الامريكية المتطرفة والصرب ومهربي المخدرات
الكولومبيين.
على مدى أشهر، غرق العالم بأجمعه وسط طوفان من الاسماء
والأرقام والمعلومات والروايات والوثائق والقرائن والأدلة
المضادة. ففي حين انشغلت الحكومة الامريكية في اثبات مسؤولية
ابن لادن والقاعدة عن الحدث منذ اللحظة الأولى بكل طريقة
ممكنة.. انشغل الكثيرون في العالمين العربي والإسلامي، في
دراسة مسارات الطائرات المختطفة، وفي التدقيق في اسماء لوائح
ركابها، وفي البحث عن التسجيلات الصوتية لصناديقها السود، وفي
نقض الأدلة المقدمة من جانب الحكومة الأمريكية، وباختصار في
تتبع الروايات والتفسيرات العديدة التي تتناقض مع الرواية
الرسمية الأمريكية بأي شكل من الاشكال وعلى اي درجة من
الدرجات.. وحتى على مستوى أولئك الذين يُفترض فيهم ان يكونوا
مثقفين، أغلق ضجيج الحدث صمامات التحليل والتفكير لديهم، فطلع
علينا سلمان رشدي باكتشاف خطير قال فيه “ان الاسلاميين يكرهون
امريكا لأننا نأكل سندويتشات لحم خنزير!” كما نقل ناقد
(جوناثان ديفيد فارلي) استاذ فلبرايت في جامعة اكسفورد.
ورغم ذلك، فإنني أسارع الى التوضيح ان هذا المقام ليس مقام رفض
او قبول اي من تلك النظريات او التفسيرات او التفاصيل،. فالشيء
الوحيد المؤكد هو ان الأحداث حصلت، وعلى مرأى ومسمع من العالم
أجمع، وان بشراً كانوا وراءها. ولكن ظروف الاحداث وطبيعتها
تؤكد انها ستبقى الى زمن طويل واحدة من تلك الأحداث الغامضة في
تاريخ البشرية، من حيث تفاصيلها الدقيقة المفتوحة على جميع
الاحتمالات.
ومع هذا، وحيث ان هذا الخطاب موجه بالدرجة الأولى للإنسان
العربي والمسلم، فإن من الضرورة بمكان القول ان لديّ قناعة
شخصية بأن بعض العرب والمسلمين لهم علاقة بعملية الحادي عشر من
سبتمبر/ايلول بشكل من الأشكال.. فبغض النظر عن بعض الأدلة التي
قدمتها الولايات المتحدة، وبغض النظر عن قوة تلك الأدلة
وضعفها، وعن حقيقة الاعترافات المباشرة وغير المباشرة التي
صدرت ليس فقط من خلال التسجيلات المصورة المشهورة للخاطفين،
وإنما أيضاً جرى تداولها على شكل تصريحات وخطب ورسائل وحوارات
في بعض وسائل الإعلام وعلى صفحات الانترنت. أقول بغض النظر عن
هذا كله، ولو اعتبرنا انه لا قيمة له على الاطلاق، فإنه يكفينا
اليقين بأن اشخاصاً عديدين من العرب والمسلمين، كانوا يتمنون
لو أنهم هم الذين قاموا بالعملية. ويكفينا العلم بأن جماعات
كثيرة في العالمين العربي والإسلامي كانت تتمنى لو أنها كانت
تقف خلفها.. فهذه حقائق معروفة ومشهورة تم الإعلان عنها بشكل
أو بآخر من خلال التأييد المطلق لها على مستوى الشكل والمضمون
والنتائج.
أزمة العجز
من هنا، فإننا سننطلق في تحليلنا من هذه النقطة، اي من نقطة
وجود الرغبة، للقيام بمثل ذلك العمل، هنا أو هناك في انحاء
العالم العربي والإسلامي. فوجود تلك الرغبة بحد ذاتها هو
الدليل الذي يكفينا للإشارة الى وجود أزمة “العجز” التي سنتحدث
عنها بتفصيل في الفقرات القادمة.
ورغم هذا، فإن المهم منذ اللحظة الأولى هو التفريق بين الفعل
المباشر وبين المسؤولية عن الأحداث في مستواها الحضاري
الشمولي. وهو المستوى الذي سنحاول من خلاله الإجابة عن سؤال:
ما هي الظروف والعوامل الحضارية الكبرى التي قادت البشرية
جمعاء الى ان تواجه الحادي عشر من سبتمبر/ايلول؟ وحتى نُجيب عن
هذا السؤال بشكل أقرب الى الصحة فإن الخطوة الأولى تتمثل في
النظر الى ما جرى بمجمله في اطار أوسع من اطار التفصيلات
الدقيقة التي ذكرناها. لأن محاولة فهم الأحداث من خلال الغرق
في هذه التفصيلات المتضاربة والتي تختلط فيها الحقيقة بالخيال
الى درجة كبيرة، أمر في غاية الصعوبة اذا كان الإنسان جاداً في
محاولته تلك، بعيداً عن رد الفعل العاطفي المباشر.
ولقد كانت هناك محاولات في غاية الجدية لاستكشاف الاسباب التي
ادت لحصول أحداث سبتمبر/ايلول على المستوى الذي نتحدث عنه،
وكان من ابرز مَن قام بهذه المحاولات مثقفون وأكاديميون
وإعلاميون غربيون، حاول كثير منهم ان يكونوا موضوعيين ومنصفين،
وان تغوص مباضع تحليلهم في العمق ولا تكتفي بملامسة السطح كما
كان حال الغالبية في الشرق وفي الغرب على حد سواء. ومن أكاديمي
مثل نعوم تشومسكي الى صحافي مثل روبرت فسك، مارس الكثيرون
عمليات نقد ذاتي في غاية الصراحة والجرأة. وكتب “فل سكراتون”
محرر كتاب “ما وراء 11 سبتمبر: مختارات من المعارضة”، الذي
نشرته مؤخرا شركة الحوار الثقافي بالعربية، واصفاً محمد عطا
ومجموعته بقوله: “ومع ذلك، فإن تصوير مثل هؤلاء الرجال على
انهم قتلة مضطربون نفسياً، ينبثق شغفهم بالدم من مرض ثقافي أو
فردي، يلغي القرائن التاريخية والسياسية والاقتصادية التي غذّت
ورعت غايتهم الاخلاقية المطلقة”. وأثار الفيلسوف الفرنسي جان
بودريار عاصفة من النقاش عندما قال “الى حد ما، هم الذين
ارتكبوا الفعلة، لكننا نحن الذين أردنا حصولها. واذا لم ندرك
ذلك يفقد الحدث كل بعد رمزي، ويبدو عند ذاك حادثة مجردة وفعلاً
مجانياً محضاً، هو بمثابة تهيؤات اجرامية لمجموعة من
المتعصبين، يكفي القضاء عليهم وإزالتهم من الوجود، في حين اننا
نعلم جيداً، ان هذا ليس صحيحاً”. وكما ذكرنا، غَلبت محاولة
استصحاب الموضوعية والمنهجية على جميع تلك القراءات، غير أنها
كانت مع ذلك منسجمة مع مصطلحاتها ومفاهيمها وخلفيتها الثقافية
واللغوية، ومنطلقة من مبلغ علمها بالواقعين الغربي من جانب،
والعربي الإسلامي من جانب آخر.
التداول الحضاري
أما ما سنحاول القيام به في هذه الدراسة فإنه يتمثل في محاولة
استخدام مفاهيم ومصطلحات تنبع من الخلفية الثقافية واللغوية
العربية والإسلامية، لتقديم اجابة مبدئية عن السؤال الكبير، لا
يمكن الادعاء بأنها (الإجابة)، وإنما هي في أحسن الأحوال
مساهمة في المحاولة العالمية للبحث عن الاجابة، ولكن من داخل
الاطار الثقافي والفكري العربي الاسلامي.
وسننظر الى هذا الموضوع من خلال ما يمكن ان نسميه بدورات
التدافع والتداول الحضاري بين الحضارات والأمم. ونبدأ بتعريف
ما نقصده بدورات التدافع والتداول الحضاري، وذلك بغرض إزالة
اللبس الذي يمكن ان يحصل بين استخدامنا لمصطلح “التدافع
والتداول الحضاري” وبين مصطلح “صراع الحضارات” الذي تم
استدعاؤه في الشرق والغرب لرؤية الأحداث من خلاله عند كثير من
الناس.
فنحن هنا نستخدم مصطلحي التدافع والتداول للإشارة الى إطار
كبير يحكم العلاقات البشرية بين الشعوب، قد يحمل على بعض
مستوياته وفي بعض مجالاته شيئا من الصراع، ولكنه يحمل ايضا
دلالات كبرى على اطياف واسعة من التعاون والتلاقي والتفاعل
والتلاقح والتأثير الإيجابي المتبادل بين الشعوب التي تنطلق من
هويات حضارية متنوعة، ذلك بأن العلاقات بين الشعوب لا يمكن لها
أن تنحصر دوماً في مسألة الصراع، هكذا تؤكد لنا شهادة التاريخ
من ناحية، وهكذا تؤكد لنا حقيقة “وجعلناكم شعوبا وقبائل
لتعارفوا” التي نعتقد انها هدف من اهداف الوجود البشري على هذه
الارض.. وإذا كان البعض يتذكر على الدوام (عدد) الحروب التي
جرت في تاريخ البشرية، فإن عليه حتى يمتلك الرؤية الصحيحة ان
يتذكر بالمقابل (عدد) السنوات والعقود التي مرت على البشرية
دون حروب، وشعوبها تتعامل مع بعضها الآخر ثقافيا وتجاريا
واقتصاديا وفنيا وأدبيا وعلميا، تتعلم من تجاربها المختلفة،
وتقيم العلاقات المختلفة، وتتزاوج، وتسافر، وتتعرف، وتنقل
الخبرات والمعارف والأفكار من جانب الى آخر على هذه الأرض
الواسعة، وهي سنوات وعقود ينتج عن تجميعها قرون من التاريخ
البشري لا يمكن أن تقارن بفترات الحروب والصراعات.
ان الصراع جزء من الحياة البشرية، ليس في هذا شك، وهذا الكلام
لا يهدف الى الغرق في طوباويات يفقد الإنسان معها القدرة على
التوازن بين المثال والواقع، ولكن ذلك الصراع يبقى (جزءا) كما
تعبر عنه هذه الكلمة ابلغ تعبير، وليس هو في اي حال (كل)
الحياة البشرية ولا (محور) الوجود الانساني. وإن هذا الأمر
ليظهر كما ذكرنا ليس فقط من خلال قراءة متوازنة للتاريخ
البشري، وإنما أيضا من اليقين بأن (التعارف) هو غاية اساسية من
غايات وجود الانسان على هذه الأرض، وان هذه الغاية مزروعة في
اعماق الفطرة الانسانية بشكل يتجاوز قدرة أحد على تغييره بشكل
جذري ونهائي وكامل.
صحيح ان التشويه قد يُصيب هذه الفطرة بسبب من بعض الأطماع
والشهوات التي تتلبس بشرائح معينة من البشر.. وصحيح ان
(الصراع) يكون في كثير من الأحيان النتيجة الطبيعية لذلك
التشويه. ولكن هذا لا يعني أبداً أن نتعسف في قراءة التاريخ
وفي فهم الفطرة البشرية كليهما، وان نجعل بالتالي (الصراع)
قدراً محتوماً يصبغ ذلك التاريخ وتلك الفطرة على الدوام.
فالحديث اذاً هو في إطار رؤية احداث الحادي عشر من
سبتمبر/ايلول وتداعياتها التالية على انها دلالة كبرى من
دلالات الانتقال بين دورتين (او مرحلتين) من دورات ومراحل
التدافع والتداول الحضاري بين فضائين ثقافيين (او بين حضارتين
إن صح التعبير)، الأول هو الفضاء الثقافي العربي/ الاسلامي، او
ما يسمى بالحضارة العربية/الاسلامية، والثاني هو الفضاء
الثقافي الامريكي /الغربي، او ما يسمى بالحضارة الغربية. أي
اننا الآن في مرحلة انتقالية من دورة حضارية الى دورة حضارية
أخرى في إطار عملية التدافع والتداول الحضاري تلك، والمطلوب
حتى نتقن التعامل مع الدورة القادمة، هو أن نفهم طبيعة وأبعاد
الدورة الماضية على الشكل المطلوب.
فماذا نجد اذا نظرنا الى كل من الفضائين الثقافيين في المرحلة
الماضية التي بلغت قمتها مع الحادي عشر من سبتمبر/ايلول؟
إننا نجد في الفضاء الثقافي الغربي وخاصة الامريكي انه وصل الى
ذروة عالية من ذُرى (التمكّن) على هذه الأرض. فمع تتالي
الإنجازات العلمية على كل صعيد، ومع انتعاش الاقتصاد عموما،
ومع سقوط النظريات الفلسفية والاقتصادية المنافسة، ومع انفجار
ثورة الاتصالات والمعلومات وسقوط جميع انواع الحواجز والحدود،
وغير ذلك من (الانجازات) بلغت الحضارة الغربية وعلى رأسها
الولايات المتحدة درجة من التمكن الانساني النظري والعملي على
هذه الارض لم يسبق لها مثيل بأي مقياس من المقاييس. وبدأت هذه
الحضارة تشعر في أعماق اهلها، وإن بدرجات متفاوتة، بإمكانية
وأحياناً وجوب (تعميم) ملامحها الذاتية وقوانينها الخاصة على
العالم أجمع، وصار التعامل مع هذا الشعور والقدرة على التحكم
به، بحيث لا يصبح مصدر (طغيان) على الشعوب والحضارات الاخرى،
قضية نسبية يتراوح تقديرها بين شريحة وأخرى من ابناء تلك
الحضارة.
ولكن الأزمة الاخرى التي تصاعدت تدريجياً كانت تكمن في الإلغاء
الذي لحق بالوحي كمصدر للمعرفة البشرية يمارس دوره المطلوب على
الدوام في (توجيه) و(إعادة توجيه) النشاط والفعل البشريين
باستمرار في وجهة تحقيق قيم الحق والعدل والخير والحرية
والجمال في صورها الشاملة.
وبسبب من ذلك التشويه او الإلغاء، فَقَدَ الوحي قدرته على
توجيه (التمكن) بشكل كلي او جزئي في الحضارة الغربية وفي
مقدمتها الحضارة الامريكية، وبدأ (الطغيان) يصبح عاملا من
عوامل وجود تلك الحضارة، لأن من سنن الوجود البشري أن وجود
الوحي مع التمكن يؤدي الى (إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر)، اي الى تأكيد تحقيق تلك القيم.
بينما يؤدي حصول التمكن بعيدا عن توجيه الوحي دوماً الى ظهور
الطغيان بصورة من الصور، خاصة عند الشرائح التي يصبح الجشع
وتصبح المطامع والشهوات والقوة والنفوذ والمصالح محورا اساسيا
من محاور وجودها في الحياة، وغني عن القول ان تلك الشرائح توجد
بشكل كبير في مراكز القوى الاقتصادية والصناعية والسياسية اكثر
بكثير من غيرها من قطاعات المجتمع الأخرى.
وحيث ان هذه الشرائح ومراكز القوى تتحكم الى درجة كبيرة في
صناعة القرار في الغرب، بحكم طبيعة المنظومة السياسية وتداخلها
المعقد مع المنظومة الاقتصادية والصناعية، فقد صار ذلك
(الطغيان) يُعبر عن نفسه بصورة متصاعدة في شكل سياسات خارجية
وعالمية اصبحت (تضغط) شيئا فشيئا على الحضارات والشعوب الاخرى
بشكل مستمر ومتصاعد.
التوازنات الأخلاقية
والمشكلة في الأمر هو ان ذلك (الطغيان) لم يبدُ لشعوب الحضارة
الغربية على الدوام على انه طغيان، بالدرجة نفسها التي كان
يبدو فيها للشعوب الاخرى من الخارج، ذلك بأن كثيرا من
السياسات، الخارجية على وجه الخصوص، والتي كانت تدخل في إطار
الطغيان عند الشعوب النامية، كانت تقدم للشعوب الغربية على
انها سياسات لا بد منها لتأمين المصالح القومية الاستراتيجية
لدول الحضارة الغربية، خاصة في مجالي السياسة والاقتصاد.
والحقيقة ان هذا كان صحيحاً الى درجة كبيرة إذا نظرنا اليه من
وجهة نظر صانع القرار الغربي والأمريكي. ولكن المأساة كانت
تتمثل في افتقاد الحضارة الغربية القدرة على الحفاظ على
التوازنات الأخلاقية في لحظات التضارب بين تلك المصالح
الاستراتيجية وبين مصير ووجود الشعوب غير الغربية بشكل عام،
وما أكثر ما كانت تتكرر تلك اللحظات.
وبسبب مجموعة من العوامل المعروفة، اصبحت شعوب الحضارة
العربية/الاسلامية في مقدمة الشعوب النامية التي تشعر بهذا
الضغط المتزايد اكثر من غيرها، ومع ثورة الاتصالات والمعلومات
وما رافقها من دعاوى العولمة الاقتصادية والثقافية من جهة، ومع
التطورات السياسية والاقتصادية التي جرت في السنوات الأخيرة في
البلاد العربية والإسلامية من جهة اخرى، تصاعد ذلك (الشعور)
بالضغط في تلك البلاد الى درجة كانت تفرز دوماً انفجارات صغيرة
هنا وهناك، ولكنها كانت توحي للمراقب الخبير أن هذا الضغط كله
لا بد أن يتمخض عن انفجار كبير.
صحيح ان جزءا كبيرا من الأزمات التي تمسك بخناق تلك البلاد
يعود الى اسباب وعوامل ذاتية وداخلية، وان هذا الضغط الذي
نتحدث عنه ليس العامل الوحيد في معادلة الأزمات تلك، ولكن
الزاوية الشمولية التي نحاول النظر من خلالها، تفرض علينا
تسليط الضوء على هذا العامل في هذا المقام، تماما كما سنقوم
بتسليط الضوء على تلك العوامل الذاتية والداخلية في مقام
الحديث عنها بعد قليل، لأن الأمر في النهاية يتعلق بمسؤولية
مشتركة بين الحضارات عن الأزمات، المحلية منها والعالمية،
وبطريقة لا يمكن معها الفصل بشكل كامل بين الأسباب الذاتية
والخارجية لتلك الأزمات، وإنما المهم في القضية هو تقدير النسب
بشكل دقيق، وتحمّل المسؤولية بشكل مشترك.
وفي مقابل تلك الصورة، على الضفة الأخرى من نهر الحضارة
الانسانية، كانت الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
تتراكم باطراد عند شعوب الحضارة العربية والإسلامية خلال
الدورة الحضارية الماضية، الى درجة باتت تخلق شعورا هائلا من
(العجز) الذي اصاب الانسان العربي والمسلم في تلك الدورة، وهو
عجز بلغ قمته في اللحظة التاريخية نفسها التي بلغ فيها الانسان
الغربي قمة تمكنه من الأرض وفيها.
ولئن كان هذا العجز متعلقاً ظاهرياً بالسياسة والاقتصاد
والاجتماع، إلا انه في حقيقته كان يعبر عن (العجز) الفكري
والثقافي الذي بدأ يصيبه من تلك اللحظة التي تمثلت في تضاؤل
قدرة الانسان العربي والمسلم على التلقي من الوحي كمصدر
للمعرفة وعلى الحركة الواعية في أرجاء الكون المسخر المنظور.
ونحن وإن كنا نُجمل الحديث عن العرب وفيهم غير المسلمين في هذا
المقام، فلأن هذا ينبع من إيماننا العميق المبني على
الاستقراء، بأن الجزء الأكبر من شخصية هؤلاء انما ينبع أصلاً
من الهوية الحضارية التاريخية العربية الاسلامية للمنطقة ويصب
فيها.
وتبعاً لهذا الشعور العميق بالعجز، بدأ هذا الانسان يتخبط في
كل اتجاه، ليس فقط على صعيد البحث عن وسائل يتجاوز بها عجزه
ويعالج مشكلاته، وإنما أيضاً على صعيد فهمه لأسباب تلك
المشكلات وجذورها الحقيقية، وبدلاً من ان يعكف على ذاته ليبحث
عن أسباب وجذور مشكلاته في داخله قبل أي شيء آخر، تطبيقاً لهدي
الوحي الذي كان يدفع الأنبياء دوماً الى تلك الممارسة عبر
شعارهم الأول والمتكرر في مواجة الأزمات “إني ظلمت نفسي”.
بدلاً من ذلك، ركز ذلك الانسان بصره نحو الخارج، وعلى وجه
التحديد نحو الآخر أياً كان، يبحث فيه عن أسباب أزماته، وتعددت
بالتالي عنده مستويات ودوائر اللوم على تلك الأزمات بشكل
يتناسب طرداً مع طبيعة كل أزمة.
حتى ان من الممكن الجزم بأن متوالية اللوم هذه كانت ولا تزال
تسير على الشكل التالي عند الفرد العربي والمسلم: إذ يغلب ان
تبدأ المتوالية بلوم الآباء والأجداد، فإذا لم تكن المشكلة
فيمن رباه وأنشأه، فهي في المحيط المباشر من حوله، وإذا لم تكن
المشكلة في ذلك المحيط، فهي في الجماعات والمذاهب والفرق
الأخرى، وإذا لم تكن المشكلة في تلك الجماعات والمذاهب والفرق
فهي في المجتمع بشكل عام، وإذا لم تكن المشكلة في المجتمع، فهي
في النظام السياسي، وإذا لم تكن المشكلة في النظام السياسي فهي
في الغرب وفي الصهيونية العالمية وفي الاستعمار وفي المخابرات
الأمريكية. وإذا لم تكن المشكلة في هذا كله فهي في الخونة وفي
أذناب الغرب من المنافقين المأجورين العملاء.. وباختصار،
فالمشكلة هي في كل شيء آخر يقع خارج نطاق تلك الذات العربية
والاسلامية، وخارج إطار مسؤوليتها المباشرة.
لكن أخطر ما في الأمر هو ان العجز شعور هائل مدمر، وهو حين لا
يعالج عن طريق استعادة الايمان بالقدرة على الفعل الذاتي، فإن
نهايته تكون دوماً الانتحار.. وهذا الانتحار إما ان يكون
ذاتياً مقصوراً على النفس، أو يكون انفجارياً على قاعدة “عليّ
وعلى أعدائي” المعروفة أو “خيار شمشون” الذي يُدّرس للمفارقة
للأطفال “الاسرائيليين” كما ذكر “بول فوت” الصحافي في
“الجارديان” نقلاً عن المنشق “الاسرائيلي” “موشي ماكوفر”،
والمعروف ان مثل هذا الانفجار يعبّر بقسوة عن ذلك الشوق الكامن
في الأعماق للتغيير، والمتداخل مع شعور فظيع بالعجز عن أي
طريقة لإطفاء لهيب ذلك الشوق، اللهم فيما عدا الطريقة التي
تتمثل في إلغاء الوجود الذي يصعب فيه التغيير، أي عبر إنهاء
وجودك ووجود الآخر كلياً.
العجز عن الفعل الحضاري
ونحن حين نتحدث عن العجز، فإننا نقصد على وجه التحديد العجز عن
الفعل الحضاري.. وهو الفعل المطلوب للتعامل مع التحديات
الموجودة في العالم المعاصر على مستوى الشعوب والحضارات، بل
والمطلوب لممارسة عملية الإعمار، ولتكون أي حضارة طرفاً فاعلاً
في عمليات التدافع والتداول الحضاري المستمرة. وليس حديثنا هنا
إطلاقاً عن العجز على المستوى الفردي والمعيشي اليومي، فهذا
يدخل في باب الروتين الانساني الفطري الذي يحرك الناس لتأمين
الحياة في حدها الأدنى.
ان العجز عن الفعل الحضاري الذي نتكلم عنه هو ذلك الشعور الذي
يُحاصر الانسان ويُقنعه بأنه فرد من أمة مهزومة بجميع
المقاييس، انه شعور الانسان الذي يتلفت من حوله في أغلب البلاد
العربية والاسلامية فلا يرى إلا ما يُصيبه بالاحباط على كل
صعيد في داخل أوطانه. من افتقاد الحرية والكرامة والمشاركة
والشفافية والمسؤولية وسيادة القانون، الى غياب التخطيط العلمي
والتنمية الحقيقية والازدهار، الى طغيان الجهل والفقر والمرض
والفساد والزيف والنفاق. حتى إذا ما امتلك ذلك الانسان القدرة
على النظر خارج إطار بلده ومجتمعه تجاه العالم، أبصر واقع
التجزئة والفرقة والغدر والتناحر يملأ ارجاء أمته الكبيرة، ثم
رأى قيود التبعية السياسية والاقتصادية والثقافية تحيط بها
إحاطة السوار بالمعصم من كل حدب وصوب.
وهذا هو على وجه التحديد الشعور الذي لا ينفع في تخفيف حدته لا
الثراء على المستوى الفردي ولا الرفاهية على المستوى الشخصي،
لأنه شعور أعمق بكثير في وجدان الانسان العربي والمسلم، من ان
تفلح في معالجته مظاهر الاكتفاء اليومي المباشرة. ذلك بأن مثل
هذه المظاهر ربما تفيد في تغطية بعض الحاجات المادية عند ذلك
الانسان، بل وربما تعمل على تغييب الحاجات النفسية والفكرية
الحساسة الأخرى لبعض الوقت، ولكنها لا يمكن ان تنفع على المدى
الطويل في تلبية متطلبات تلك الحاجات النفسية والفكرة التي
تتعلق بقيمة الانسان في الحياة.
بل ربما تكون أحداث سبتمبر خير شاهد على ان وجود مشاعر العجز
عند من يمتلكون شيئاً من مقومات الثروة الشخصية يصبح عاملاً
أساسياً في جعل انفجارهم أقوى في صخبه وضجيجه من انفجار
العاجزين الفقراء، لأن تلك الثروة في ذاتها لا تصبح ذات قيمة
على الإطلاق في باب تلبية الحاجات النفسية والفكرية، وإنما
تصبح فقط وسيلة للتعبير عن العجز بشكل أعلى صوتاً وأكثر ضوضاء.
قيمة الهوية
ان حقيقة الاجتماع البشري تؤكد ان الانسان يستمد جزءاً كبيراً
من شعوره بقيمته الذاتية في الحياة من خلال احساسه بقيمة هويته
الحضارية في هذا العالم، ومن خلال احساسه بالمكانة التي تكون
للأمة التي ينتمي اليها بين الأمم والشعوب، وكثيراً ما تظهر
الوقائع كيف يمارس الضعيف من أبناء الأمة التي تشعر بالقوة
والانتصار ممارسات المنتصرين أمام أبناء الشعوب الأخرى، وكيف
يمارس القوي من أبناء الأمة التي تشعر بالهزيمة ممارسات
المهزومين أمام الآخرين، وخاصة أمام المنتصرين والأقوياء.
وحين يشعر الانسان ان قيمة هويته الحضارية تتآكل بشكل كبير،
وان مكانة الأمة والحضارة التي ينتمي اليها تتدهور بصورة
متواصلة، وان “الانجاز” المنتظر من تلك الهوية ومن هذه الأمة
يكاد يكون معدوماً، بينما الشعوب والأمم والحضارات الأخرى
تتسابق صُعُداً على طريق التدافع الحضاري، فإنه يفقد الشعور
بقيمته الذاتية، ويفقد القدرة على إدراك الكمون الموجود في
هويته الحضارية، ويفقد الثقة بأمته، الى درجة تجعله يغرق في
مشاعر العجز الحضاري، وصولاً الى الانتحار أو الانفجار.
وهذا هو الى درجة كبيرة ما حصل قبل الحادي عشر من سبتمبر في
الفضاء الثقافي العربي الاسلامي، حين وصل الشعور بذلك العجز
الى قمته القصوى، ودفع شريحة من شرائح العرب والمسلمين الى
الانفجار بتلك الطريقة التي تمثلت في عمليات الحادي عشر من
سبتمبر. وكما ذكرنا سابقاً، فإن مجرد شعور أعداد وجماعات من
العرب وال |