|
كانت «المنهجية الفكرية والإعلامية لمعالجة ظاهرة الغلو» هي
موضوع البحث الذي قدمناه إلى المؤتمر الفكري الثاني للحوار
الوطني الذي انعقد في
مكه المكرمة في الأسبوع الماضي.. والمنهجية أو المنهج هو أحب
القضايا إلينا، فليس
يصح التفكير في دين ودنيا، في علم ومعرفة، في اجتماع وسياسة،
في لغة وأدب، في تاريخ
وحضارة، في تربية وسلوك وخلق، في وطنيه وعولمة، في حاضر
ومستقبل.. ليس يصح التفكير
في شيء من ذلك، إلا إذا انبثق التفكير وانضبط واستعصم بالمنهج
القويم الصحيح ذي
القواعد المنتظمة ـ باطراد، والملَتَزمة دوماً.
وكان من محاور ذلك البحث المقدم:
ضرورة التفريق الواضح الحاسم بين قضيتين لا يجوز ـ قط ـ الخلط
بينهما، لأن بينهما
من التباعد، بل التناقض، ما يجعل الخلط بينهما «غشاً معرفياً»،
وتضليلاً فكرياً
للناس.
هاتان القضيتان المتباعدتان المتعارضتان هما قضية «الثوابت
اليقينية»
مثل: وجود الله ووحدانيته، وعصمة القرآن وحفظه، وعصمة الرسول
في البلاغ، والعبادات
التوقيفية.. وقضية «الثوابت الوهمية». ولقد ضرب مثل لها بـ«الدعاء
البِدْعِي» الذي
غدا ـ لطول الإلف والممارسة ـ « ثابتاً يقينياً»!! مع انه ـ في
حقيقته ـ: وهم انتحل
صفة الثبات.. ويتمثل هذا الدعاء البِدْعِيّ في الدعاء على غير
المسلمين بالهلاك
التام، والاجتثاث الكلي، والمحق الشامل.
وفي أثناء المداخلات: تبدت ملاحظة ذكية
ونابهة فحواها: قد يعترض معترض فيقول: كيف يُمتنع عن مثل هذا
الدعاء في حين أن
نوحاً قال: «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا»؟
فكان جوابنا:
إن شرع
من قبلنا: شرع لنا، ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه أو يخالفه.
إن هذه المخالفة
موجودة وموثقة:
إن غير المسلمين هم من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أي
أنهم عالم مشمول ببلاغ الرسالة الخاتمة.. وهذه الأمة بشقيها ـ
شق الدعوة، وشق
الإجابة ـ: تأذن الله ألا تجتث بهلاك عام.. والواقع التاريخي
يؤكد هذه الحقيقة.
إن نوحاً عليه السلام دعا على قومه بالمحق التام، والاجتثاث
الكلي «رب لا تذر
على الأرض من الكافرين ديارا. انك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا
يلدوا إلا فاجرا
كفارا». ويبدو أن نوحا توصل إلى هذه النتيجة من خلال تجربته أو
خبرته الطويلة التي
استغرقت 950 سنة. فقد تبين له على هذا المدى الزمني الطويل:
انه كلما نشأ جيل جديد:
نشأ على الكفر والضلال «ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا»، لكن نبينا
رفض الاجتثاث الشامل
للمشركين حيث قال: «فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا
محمد إن الله قد سمع
قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني الله إليك لتأمرني
بأمرك، فما شئت، إن شئت
أن أطبق عليهم الأخشبين (جبلان عظيمان بمكة)، فقال النبي: بل
أرجو أن يخرج الله من
أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا».
موقفان مختلفان جداً:
«ولا
يلدوا إلا فاجرا كفارا».
«أرجو
أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا
يشرك به شيئاً».
ج ـ طُلب من نبينا أن يدعو على المشركين فأبى وقال «إنما بعثت
رحمة ولم ابعث لعانا».. وهذا يرفع التناقض عن المنهج. فالله
أرسل سيدنا محمدا صلى
الله عليه وسلم رحمة للعالمين: «وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين».. ومعلوم: أن اللعن
إنما هو الطرد من رحمة الله.. فكيف يكون من أرسله الله رحمة
للعالمين: سببا في طرد
الناس من رحمه الله؟
د ـ في اللحظة التي شج فيها المشركون وجهه الشريف، وكسروا
رباعيته. في هذه اللحظة التي يسيل فيها دمه الزكي، قال: «اللهم
اغفر لقومي فإنهم لا
يعلمون».
هـ ـ في البخاري بابان: باب الدعاء على المشركين وباب الدعاء
للمشركين. فكيف يُفهم هذا؟ .. يفهم بان يكون الدعاء على
المشركين الظلمة المعتدين.
وهذا يشمل كل ظالم معتد: أمس واليوم وغداً، فالدعاء سبب من
أسباب رفع الظلم، وهو
سبب متاح لكل إنسان سواء كان مسلما أو غير مسلم. فهو من الدعاء
الاضطراري الذي
يستجيب الله فيه للمسلم وغير المسلم: «أم من يجيب المضطر إذا
دعاه ويكشف السوء
ويجعلكم خلفاء الأرض».. ثم أن الأمر يُفهم بأن يكون الدعاء
للمشركين المسالمين..
وهذا يشمل كل مسالم غير مسلم: أمس واليوم وغدا.
وقد اقتضى توضيح هذه الحقيقة:
حقيقة أن (الدعاء البِدْعِيّ) إنما هو (ثابت وهمي) لا حقيقي:
اقتضى ذلك: مزيداً من
البسط والتأصيل وتوسيع دائرة الفائدة والنفع عن طريق هذه
الجريدة.
يقول أبو عبد
الله القرطبي ـ في تفسير آية: «ليس لك من الأمر شيء»: «في صحيح
مسلم عن ابن مسعود
قال: «كأني انظر إلى رسول الله يحكي نبيا من الأنبياء ضربه
قومه وهو يمسح الدم عن
وجهه ويقول «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». قال علماؤنا:
فالحاكي في حديث ابن
مسعود هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو المحكي عنه بدليل ما
قد جاء صريحاً
مبينا: إنه عليه الصلاة والسلام لما كسرت رباعيته، وشج وجهه
يوم أحد، شق ذلك على
أصحابه شقاً شديداً وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: «إني لم ابعث
لعانا، ولكني بعثت
داعياً ورحمة، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».. ويبينه
ايضاً ما قاله عمر له في
بعض كلامه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. لقد دعا نوح على قومه
فقال «رب لا تذر على
الأرض من الكافرين ديارا»، و لو دعوت علينا مثلها لهلكنا من
عند آخرنا، فقد وُطِئ
ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيراً
فقلت: «رب اغفر لقومي
فإنهم لا يعلمون».
وقال القرطبي ـ كذلك ـ في تفسير «رب لا تذر على الأرض من
الكافرين ديارا»: دعا عليهم حيث يئس من أتباعهم إياه، وقال
قتادة : دعا عليهم بعد
أن أوحى الله إليه «انه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن».. وقال
ابن العربي: دعا نوح
على الكافرين أجمعين، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على من
تحزّب على المؤمنين
وألب عليهم. وكان هذا أصلا في الدعاء على الكافرين في الجملة.
فأما كافر معين لم
تعلم خاتمته فلا يُدعى عليه، أن مآله عندنا مجهول، وربما كان
عند الله معلوم
الخاتمة بالسعادة، وإنما خص الله عتبة وشيبة وأصحابهما لعلمه
بمآلهم وما كشف له من
الغطاء عن حالهم. وان قيل لم جعل نوح دعوته على قومه سببا
لتوقفه عن الشفاعة للخلق
من الله في الآخرة؟ قلنا: للناس في ذلك وجهان: احدهما: أن تلك
الدعوة نشأت عن غضب
وقسوة، والشفاعة تكون عن رضا ورقة فخاف أن يعاتب ويقال: دعوت
على الكفار بالأمس
وتشفع لهم اليوم.. الثاني: انه دعا غضبا بغير نص ولا إذن صريح
في ذلك، فخاف
الدَّرْكَ فيه يوم القيامة».
وندير الحديث إلى زاوية أخرى فنقول: إن لهذا
المقال أو الموضوع: صلة مبدئية ووظيفية ومقصدية بمقال الأسبوع
الماضي «عيسى صلى
الله عليه وسلم ورسالته وصورته وشخصيته» فأبرز خصائص المسيح
ابن مريم: خاصية
(الرحمة)
كما قال الله ـ جل ثناؤه ـ: «ولنجعله آية للناس ورحمة منا».
كذلك فان
ابرز خصائص خاتم النبيين ـ صلى الله عليه وسلم وآله وسلم ـ:
خاصية (الرحمة)... وهذا
هو الدليل:
«يؤمن
بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم».
«لقد
جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين
رؤوف رحيم».. ومن
مفاهيم هذه الآية: انه يشق على النبي: أن يرى الناس في عنت
ومشقة، وانه لا يطيق
رؤيتهم تعساء، وانه يحرص على كل ما ينفع الناس ويسعدهم
ويريحهم، وهذا عين الرحمة.
«وما
أرسلناك إلا رحمة للعالمين».. وهذه هي الرحمة العامة للخلق
أجمعين.. ومن
معاني هذه الرحمة العامة: ألا يدعو الرسول على غير المسلمين ـ
من غير الظلمة
المعتدين ـ باجتثاث ولا هلاك عام، وألا يطردهم من رحمة الله.
فمفتاح رحمة الله لا
يكون أبداً مغلاقاً لهذه الرحمة.
والرحمة.. ما الرحمة؟
الرحمة هي: الرقة،
والعطف، والرأفة، والحنان، والتلطف، واللين فهي ـ من ثم ـ جماع
الخير، والرغبة في
الإحسان إلى الخلق.
ما خلاصة الإسلام؟
خلاصته هي: الرحمة.
يضم إلى ما
تقدم: حجة عقلانية ساطعة وهي: ان بقاء البشر والحضارات هو
(موضوع) الإسلام، ومناط
رسالته، فإلى من يتوجه الإسلام بهداه إذا فني
البشر، واجتثوا من فوق الأرض: وفق
رغبة الذين توهموا أن (الدعاء البِدْعِيّ) على غير المسلمين
بالمحق الشامل: من
ثوابت الإسلام؟
وتمام الكلم: أن الدعاء قربى إلى الله:
قربى إلى الله
بتجريد الدعاء له وحده لا شريك له.
وقربى إلى الله، لأن الله يحب من يدعوه:
«فإني
قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان».
ومن هنا، فإن الدعاء البدعْي لن يكون
قربى إلى الله من حيث أنه دعاء مخالف لسنة الله الكونية، وشرعه
الديني.
(جريدة الشرق الأوسط
3/1/2004) |