إنني
على الرغم من يقيني بالمواقف العدوانية الخفية والمعلنة
التي يقفها الغرب ضد إسلام المسلمين في بلادهم, على يقين
أيضا بأن انبعاثا جديدا للإسلام سيظهر في ربوع الغرب ذاته.
وذلك لأن ثمة جدلية مستمرة بين تفاقم معاداة الإسلام
والخوف منه لدى قادة الدول الغربية وساستها. وتزايد التطلع
إلى الإسلام والرغبة في معرفته لدى الشعوب الغربية. فكلما
ازداد ساسة الغرب وقادته تخوفا من الإسلام وإظهارا
لمعاداته, ازدادت لدى شعوبهم الرغبة الذاتية في معرفة هذا
العدو المخيف ووجه خطورته! وكلما ازدادت هذه الرغبة
الذاتية المحايدة لديهم, ازدادت المخاوف منه وأسباب
معاداته والوقوف في وجهه لدى الحكام والقادة وذوي المصالح
السياسية.
وإن مصدر هذا الأمل لا يتمثل في جهد بشري يقوم به المسلمون
أو في مستوى إسلامي أو حضاري باسق يتمتع به المسلمون في
بلادهم, فإن الأمر – كما هو معلوم- على خلاف ذلك تماما.
ولكن مصدر الأمل يتمثل في أن الغرب منذ سنوات خلت توقف عن
تقدمه الصاعد الذي دفعته إليه الأقدار بدءا من عصر النهضة,
فهو اليوم يراوح في مكانه, ويتحرك ضمن ما يشبه الدائرة
المغلقة.
وأنا لا أعني بالتقدم التقدم التقني والعلمي خاصة, كما لا
أعني التقدم العسكري أو العمراني, وإنما أعني التقدم
الإنساني عموما. وهو الغاية كما تعلمون من سائر مظاهر
التقدم التقني والعلمي العسكري ونحوها. بل إن سائر الأنشطة
العلمية والقوة العسكرية والحركات الاقتصادية, إنما ينظر
إليها على أنها أجزاء متراكبة متآلفة لكل واحد, هو الحياة
الإنسانية بكل مقوماتها ومتطلباتها.
غير أن هذه الأجزاء غدت منذ حين منفصلة عن كلها هذا, فهي
أشبه ما تكون بروافد من المياه الصالحة والنافعة, أريد لها
أن تتجه من شتى الجوانب فتصب في أرض مستصلحة مزروعة, لتينع
بالخضرة والخير والغلال, ولكنها تحولت عن هذه الأرض
الظامئة, وتسربت متفرقة بين أودية وقيعان متفرقة شتى!
العمران يتطاول.. والمخترعات العلمية تتزايد.. والقوى
العسكرية تتجه نحو مزيد من القدرة على الدمار.. والمكر
السياسي في تألق مستمر.. ولكن الإنسان الغربي الذي يفترض
أن يكون محور هذه الأنشطة كلها والسيد المخدوم من قبل هذه
الطاقات, ما زال منذ أمد بعيد يقف من آمال الإنسانية أمام
ما يشبه الأبواب الموصدة.
إنه يجتر وحشته من الحياة الرتيبة التي يعيشها, وإنه ليعبر
عن وحشته هذه بشتى الوسائل والتصرفات الغريبة! وهو يحاول
بكل السبل أن يعتصر من أسباب النعيم المتراكمة أمامه, غذاء
لعواطفه وأشواقه وظمأ روحه, فلا يجد أمامه إلا العصارة
التي تغذي جسده الفاره وبطنه المتخم, وكأنه ليس إلا كتلة
من اللحم والعظم والدم!
هذا هو الإنسان الغربي.. إنه يعيش الآن سجين حضارته
المتألقة الجانحة.. ومهما طال به البحث والتنقيب عن مخلص,
فلن يجد لنفسه مَخْلصا حقيقيا إلا باللجوء إلى المرآة التي
تعرِّفه على ذاته, ومن ثم تهديه إلى الإسلام الذي هو الجذع
الأوحد لكل ما قد تكاثر من بعدُ من المذاهب الدينية
السماوية.
فهذا هو الذي يعيد إلى الإنسان اعتباره وقداسته الإنسانية,
وهو الذي سيريه الوجه المؤنس من الحياة خلال كل من مداها
القريب والبعيد معا, وهو الذي يعيد إلى الأسرة شملها وينشر
في الدار روحها.. وهو الذي يمد القلب بغذائه العاطفي ويروي
ظمأه الوجداني وأشواقه العلوية.