|
في زيارتي الأخيرة إلى القاهرة، قمت
بزيارة بعض الزملاء في (مركز الحضارة للدراسات السياسية). كانت
زيارة المركز للتواصل واستلام نسخٍ من تقرير (أمتي في العالم)
الذي يقوم المركز بإصداره سنوياً لاستعراض ودراسة شؤون العرب
والمسلمين خلال عامٍ منصرم. يشرف على التقرير المستشار طارق
البشري ويشارك في كتابة مادته ودراساته مجموعة من الأكاديميين
والمثقفين العرب. أسهمتُ في التقرير من خلال دراسةٍ حول الدور
الخارجي في التعامل مع المؤسسات الداعية للإصلاح والتغيير في
الأمة. وكان إسهامي بناءً على طلب الدكتور سيف الدين إسماعيل
الذي تعرفتُ عليه أثناء عمله في الإمارات. وهو أستاذ العلوم
السياسية في جامعة القاهرة و المشرف على التقرير مشاركةً مع
الدكتورة نادية مصطفى أستاذ العلاقات الدولية ومدير مركز
البحوث والدراسات السياسية في جامعة القاهرة ومدير برنامج حوار
الحضارات والثقافات فيه.
في اليوم التالي كنت على موعدٍ للقاءٍ
مُطوّل مع الدكتور سعد الدين إبراهيم في مكتبه في الجامعة
الأمريكية في القاهرة. كان اللقاء مفيداً وشيقاً وغنياً وقد
أشاركُ القراء بتفاصيله من خلال نشرهِ كحوارٍ صحفي، حيث قمتُ
بتسجيل الحوار للتوثيق بموافقة الدكتور إبراهيم بطبيعة الحال.
تطرق الحوار إلى موضوعات مختلفة لكنه كان يتمحور أساساً حول
قضايا التغيير والإصلاح في المنطقة العربية.
كنت أعرف طبعاً محورية هذه المسألة في
نشاط الرجل الثقافي والعملي والأكاديمي، بل وماعاناهُ في
سبيلها على المستوى الشخصي.. وعرفتُ من خلال التواصل أن الفريق
الذي أصدر التقرير المذكور مهمومٌ بمسألة الإصلاح في الواقع
العربي إلى درجةٍ كبيرة. حتى أن التقرير نفسه كان للمفارقة
بعنوان (الإصلاح في الأمة بين الداخل والخارج). وهو موضوعٌ
لاأعتقد أن أحداً عاش دخائله ومستتبعاته النظرية والعملية بقدر
الدكتور إبراهيم.
من هنا، وفي معرض الحديث عن ضرورة
التعاون بين المثقفين العرب من مختلف الأطياف لتحقيق هدف
الإصلاح، سألتُ الدكتور إبراهيم ما إذا كان بالإمكان التنسيق
والتعاون بين شرائح المثقفين (الجدّيين) من مختلف التوجهات
الأيديولوجية ومنهم بعض المثقفين من ذوي التوجه الإسلامي
للوصول إلى ذلك الهدف. خاصةً وأنه دافع في كثيرٍ من مواقفه
ومقالاته عن حق الجميع بمن فيهم الإسلاميين في المشاركة
السياسية والثقافية، وعن ضرورة تجنُّب عقلية العزل والإقصاء
لأي شريحةٍ من شرائح التركيبة الاجتماعية.
أجاب الرجل موافقاً من ناحية المبدأ،
لكن التساؤل كان واضحاً في كلماته ونبرة حديثه عن وجود أمثال
هؤلاء. بمعنى وجود المثقف الإسلامي المنفتح القابل للتعددية
بشكل جذري. المثقف الذي ينطلق في حركته الفكرية والعملية من
رؤيةٍ تستصحب حداً أدنى من المنهجية العلمية بعيداً عن
الشعارات واللافتات الشعبوية. وقد تبين لديّ أن الرجل كان
يدافع عن حق الإسلاميين في الوجود والحركة مثل غيرهم انطلاقاً
من مبادئه التي يؤمن بها. لكنه لم يكن يرى في الساحة تلك
النوعية من التفكير والحركة التي تسمح لها رؤيتها الأيديولوجية
بالدرجة التي يؤمن هو بها من الانفتاح والقبول الحقيقي
والنهائي بالآخر ووجوده. ولمستُ في الأعماق خشيةً لم تُعبّر عن
نفسها بالكلمات من مسألة (الأجندات) الخفيّة. ومن سيادة عقلية
(التكتيك) التي قد تُعلن القبول بالآخر مرحلياً بغرض الوصول
إلى مستوىً أو درجةٍ من السلطة، يكونُ بعدها لكل مقامٍ مقال..
وللأمانة العلمية أؤكد بأن الرجل لم يتحدث بهذا رغم أن
الكثيرين يوجهون هذا الاتهام للإسلاميين، ورغم أن منهج وتصرفات
ومواقف بعض الإسلاميين، الحركيين على وجه الخصوص، تُضفي
مشروعيةً على تلك الشكوك.
لماذا لم يرَ الدكتور إبراهيم عملياً
وجودَ إسلاميين يؤمنون إيماناً قاطعاً وعميقاً بالتعددية
ولايريدون استخدام شعاراتها لتحقيق بعض الأهداف السياسية
المرحلية التكتيكية؟ هل يمكن القطع بأن أمثال هؤلاء لايوجدون
في الساحة الثقافية العربية بتلك الدرجة من القطع والتعميم
التي يؤكد البعض عليها؟ أم أن المسألة تتعلق بأزمة تواصلٍ
وحوارٍ حقيقية، هي هذه المرة بين دعاة الحوار؟
سألت الرجل تلك الأسئلة وحاولت
الاستفهام حول مشروعية التعميم في القضية المذكورة فوجدتُهُ
مُقراً بلسان المقال بإمكانية وجود تلك الشريحة. لكنني شعرتُ
بدرجةٍ من الشك تعبرُ عن نفسها بلسان الحال. أسعفتني الأقدار
في سعيي المتواضع لبناء الجسور بين المثقفين العرب العاملين
لدعم عمليات الإصلاح والتغيير. فسألتُ الدكتور عن تقرير (أمتي
في العالم) وما إذا كان سمع عنه أو اطّلع عليه فجاءت الإجابة
بالنفي. كانت نسخة التقرير في حقيبتي فأخرجتها وأهديتها
للدكتور إبراهيم طالباً منه الاطلاع عليها. تصفح الرجل الكتاب
الضخم بعناية مؤكداً أن فيه "جهداً واضحاً" وأن مجموعة من
كُتّابه هم "من أصحاب التوجه الإسلامي". ثم أبدى سروره من وجود
كُتّاب من بعض التوجهات الأخرى، ومازحني قائلا أنهم قد يكونوا
استكتبوني لإضفاء نكهةٍ ليبرالية على التقرير من باب الحرص على
التنوع.. وبعد دقائق أخرى من التصفح أبدى لي بلكنةٍ مصريةٍ
محبّبة تَعجّبهُ من مفارقة حضوري إلى القاهرة من بلدٍ آخر
لأكون سبب اطّلاعه على نشاطٍ في نفس مجال اهتمامه يجري على
مرمى حجرٍ من مكان عمله.
لماذا لم يسمع سعد الدين إبراهيم عن هذا
النشاط البحثي المكثّف حتى في عامه السابع؟ كيف لم يتعاون
الرجل مع هذا الفريق العلمي الذي يبحث في موضوع الإصلاح، والذي
حرصتُ على التعريف بالخلفية العلمية والأكاديمية للمشرفين عليه
قاصداً قبل قليل. وهو الذي يجوب رحاب العالم العربي والعالم
ليتعاون مع المثقفين في كل مكان بخصوص ذلك الموضوع؟ لماذا لم
يصل مثل هذا التقرير الذي بُذلَ فيه جهدٌ مقدّر إلى الرجل الذي
يعرف القاصي والداني دوره في قضية الإصلاح بغض النظر عن ثنائية
الموافقة الكاملة أو الرفض الكامل لمواقفه وآرائه أو مواقف
الفريق وآرائه؟ بل ربما يكون السؤال الأهم: لماذا لم يُطلب منه
أصلاً المساهمة في هذا الموضوع الذي يُعتبر ألصق المسائل
باهتماماته ونشاطاته؟ لست هنا إطلاقاً في مقام إلقاء اللوم على
فريق العمل أو على الدكتور إبراهيم لكنني أؤكد بأن القارىء
الكريم يشاركني في الشعور بأهمية هذه الأسئلة وبمشروعيتها
الكبيرة.
أعرف أن من الممكن للبعض أن يسوق جملةً
من الأعذار والتبريرات لتفسير هذا (الانقطاع) في الحوار بين
دعاة الحوار. لكنني لاأعتقد أن بإمكان أحد إقناع القارىء
العربي المتوازن والمعتدل والمنفتح بأن وجود ذلك الانقطاع
مشروعٌ بأي درجةٍ من الدرجات.
الأهم من هذا أن نتذكر جميعاً أن وجود
هذه الظاهرة واستمرارها قد يكون أسوأَ تجليات أزمة العرب
الراهنة. أسوأَ حتى من مظاهر الاهتراء التي يركز عليها البعض
في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع. بمعنى أن تجاوز ذلك
الانقطاع، وهو مسؤوليةًٌ مشتركة، قد يكون شعاع الأمل الصغير
الذي يقودنا جميعاً لمعالجة أسباب الاهتراء من الجذور بعيداً
عن الشعارات.
صحيفة المدينة السعودية |