ا

  

الصفحة الرئيسية
  
مُـخـتـارات العالم الإسلامي والغرب.. إمكانية التواصل والتعاون
 

د. عبد المنعم أبو الفتوح

 

 الاتصال بين العالم الإسلامي والغرب

تاريخ الاتصال بين العالم الإسلامي والغرب تاريخ قديم يعود إلى قرون طويلة مضت، كان فيها من التوتر والتجاذب والغزو والمصالح والصلات العلمية والتجارية والثقافية ما يجعله جديرا بالبحث وبتدريسه لأبنائنا بخيره وشره كي يستفيدوا منه.

ولتسمحوا لي بداية أن أتساءل عما يكون الحال في أوروبا لو نزعنا عنها تأثير الحضارة الإسلامية، وعما يكون الحال في العالم الإسلامي لو نزعنا عنه تأثير الحضارة الغربية، هذه الصلة التاريخية الوثيقة بين العالم الإسلامي والغرب أوجدت علاقة مركبة بين الحضارتين اختلط فيها الإعجاب بالخوف والحب بالنفور والاقتراب بالابتعاد، وهو الأمر الذي يوصف به الطرفين على حد سواء.

دعونا نتفق أن عملية التأثير والتأثر بين الحضارات والمجتمعات عملية واقعية لا مجال لإنكارها، والفكر الإنساني بطبيعته المتراكمة وتركيبه البديع يسير وفق التاريخ، ومن خلاله لا رغمًا عنه، وقد حمل هذا الفكر وقدمه مفكرون ومجتهدون من سائر الأمم والأعراق، ولذلك ليس هناك حضارة بدأت من الصفر بل تنشأ وتؤسس على ما أنجزه السابقون وطوره اللاحقون.

في مستشفيات أوروبا الآن سنجد بصمات ابن سينا والرازي كما كانت في مستشفيات العالم الإسلامي وقت مجده بصمات أبقراط اليوناني، وكانت في مدارسه بصمات إقليدس وفيثاغورث الهندسية، وها نحن الآن نرى بصمات ابن الهيثم في اكتشاف سرعة الضوء في أجهزة الكمبيوتر والهاتف الجوال، وفى الجوانب الاجتماعية والفكرية سنجد عطاءات حمورابي وأفلاطون وأرسطو تمتزج بعطاءات ابن رشد وبن خلدون والغزالي والفارابي وتوما الإكويني وبيكون، بل وحتى في العصر الحديث نكاد نرى التأثير والتأثر في المجالات الأدبية والفنية، وهو ما يتجلى في أدب نجيب محفوظ عندنا وأديب النرويج الكبير هنريك أبسن، مع خصوصية كل منهما بطبيعة الحال.

الاعتراف بالتعددية الثقافية

إن عالم اليوم ليس هو عالم الأمس؛ فتاريخ الحملات الإسلامية على أوروبا وما تركه من مشاعر سلبية لا سيما حصار فيينا قد دفن مع الماضي، ونحن أيضا نعتبر أن الحملات الصليبية على العالم الإسلامي وكذلك الحملات الاستعمارية وما تركته من أثر مشابه قد دفنت أيضا مع الماضي.

لذلك ونحن في إطار إحدى الخطوات المثمرة لتأسيس علاقة متينة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي دعونا نثبت عدة نقاط مهمة كعلامات هادية لنا جميعا:

أولا: لا شك أن هناك فوارق ثقافية لا بد لنا من الإقرار بها واحترامها تقديرا للتعددية والتنوع كسنة كونية كالشمس والقمر والليل والنهار، فالحياة أساسها التعدد والتنوع، يقول القرآن الكريم: {ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين}، واختلاف الألسنة يعني تعدد القوميات، واختلاف الألوان يعني تعدد الأعراق والأجناس البشرية، هذه التعددية الثقافية والفكرية على ما فيها من تنوع واختلاف إنما هي مكسب كبير للبشرية يجب أن يستثمر في تقدمها وتطورها وثرائها.

ثانيا: مهما اختلفت الحضارات والثقافات وتباينت القيم فإن هناك أصولا إنسانية مشتركة يتوافق عليها كل البشر، مثل العدل والصدق والشرف والأمانة، وهى قيم موجودة بعمق في الضمير الإنساني.

ثالثا : بما أن الإنسان هو محور الحياة على هذه الأرض وهو الذي صنع الحضارة بالتعاون والمشاركة مع آخر وآخر عبر الأزمان والقرون.. فإن الحوار بين الحضارات والثقافات المتعددة يجب أن ينظر إليه على أنه الحالة الطبيعية بين بني الإنسان، ومن يتصور أنه يملك النموذج الأوحد المثالي الذي يجب فرضه على الناس كلهم فهو مخطئ.

رابعا: العالم الإسلامي ليس كله سواء والغرب ليس كله سواء، لذلك فإن منطق التعميم دون دراية وفهم لحقائق الواقع لهو منطق مخطئ وخطير أيضا.

التاريخ مخزن العبر

عندنا في الثقافة العربية مثل يقول: "إن التاريخ مخزن العبر"، ولذا.. دعونا نلقي نظرة سريعة على التاريخ في فجره الأول والتفاعلات التي تمت عبر قرونه الطويلة، فقد بدأت المواجهة بين الشرق والغرب منذ فجر التاريخ الإنساني المدون، الذي تتنازعه اليوم أراضي الرافدين وشواطئ البحر المتوسط؛ حيث ستدور هناك أكثر حوادث التاريخ حيوية.

لم تسجل مواجهة حقيقية بين الشرق والغرب حتى القرن الرابع قبل الميلاد، إنما بدأت المواجهة بين الشرق والغرب مع خروج الإسكندر الأكبر من البلقان صوب الشرق، ليحطم ما واجهه من الممالك، ويبلغ في النهاية إمبراطورية الصين، حيث لم يعد ثمة شيء بعدها يمكن أن يباهي بإسقاطه، وحين عاد الإسكندر إلى أثينا ليبتهج بنصره، أدرك أنه ليس إلا دورة واحدة من دورات الحياة، وأن تبدل المقادير ماض إلى غاية لا يمكن أن تتوقف عنه طموح الإسكندر.

لم يطل المشهد حتى انبعثت شعوب آسيا الراقدة تضرب في جيوش الإسكندر كل وجه، وتحيل لهيبهم إلى رماد، بعد أقل من قرن يضرب هانيبال بسياطه الموجعة في قلب الحواضر الأوربية، ويسجل غضب الجنوب على الشمال، وتثأر قرطاجة للإسكندرية ويشتعل المتوسط بنار الكراهية من جديد.

في غمرة هذا الصراع كان هناك مشروع آخر يتم إعداده في روما الإيطالية التي تتدلى في قلب البحر المتوسط في إرادة جادة للمواجهة، تحت عنوان الإمبراطورية الرومانية والتي ستصبح المقدسة فيما بعد، وتنطلق الأطماع الرومانية من جديد فتلتهب البلاد المتشاطئة في البحر المتوسط، في القرن الأول قبل الميلاد، ويمضي المشروع الروماني إلى أم الدنيا مصر، ثم يرسم ملامح وجود جديد على طول شواطئ المتوسط ليصبح بحيرة رومانية، ثم يجتاح بلاد الشام ويصل إلى مواجهة مباشرة مع الحضارة الفارسية، حيث سيبدأ صراع ساخن سيستمر سبعة قرون.

مع وصول الفتح الإسلامي إلى بلاد الشام في القرن السابع الهجري كان الشرق يستعيد عافيته ليقوم بالمواجهة مع الغرب وعندما رحل القيصر من أرض الشام كان يعلم تماما أنه يرحل رحيلا لا عودة منه، وأن فصلا جديدا من تاريخ العالم يكتبه هذا الفتح الإسلامي.

الحملات الصليبية وانتفاضة الشرق

تمضي قرون خمسة تبوء خلالها محاولات الغرب في اختراق آسيا بالفشل عند مضيق الدردنبل، حتى تنفجر أوروبا بالأطماع الصليبية عندما يمضي بطرس الناسك في القرن الحادي عشر برسالة أوربان الثاني ليحشد أوروبا في جحافل الحملات المشهورة تحت عنوان الحروب الصليبية، وتنشأ مواجهة أخرى بين الشرق والغرب استمرت مائتي عام ركز فيها الغرب راياته على إمارات كثيرة في الشرق من الرها إلى دمياط، ولكن الشرق انتفض مرة أخرى.

استأنفت أوروبا تاريخ الصراع عندما تفجرت الثورة الملاحية من الجزيرة الأيبيرية وجرفت في طريقها الأندلس لتمتد شريطًا ساحليًّا يطوق العالم الإسلامي ويتبعها عن قريب وصول فرنسا إلى سواحل مصر أيام نابليون الذي افتتح الحقبة الاستعمارية الجديدة في الشرق العربي.

وفي القرن التاسع عشر تتوثب الجيوش الأوروبية لاقتسام ما تبقى من العالم الإسلامي المريض في حركة استعمارية لا تتوقف حتى تسقط واحدة فواحدة.

مرة أخرى يقول الشرق كلمته عندما تنبعث حركات التحرر، وتتمكن من تحقيق استقلال الشرق، ولكن في خريطة جديدة هذه المرة، لا يظهر فيها شرق متحد، ولكنه يختزن آمال الوحدة والجماعة.

يشهد القرن العشرون حربين عالميتين تنجليان عن رسم صورة جديدة للعالم تؤكد كل يوم أن حل المنازعات عن طريق الحروب أصبح محرما دوليا، وأن على الشعوب أن تتعود الجلوس إلى موائد المفاوضات لتحقيق أمانيها دون اللجوء إلى القوة.

هذه إطلالة سريعة على التاريخ بكل خيره وشره حسنه وسؤه، ولعلكم تعرفونها أكثر منى ولكنى رأيت أنه من المفيد أن تكون حاضرة معنا في خلفية لقائنا هذا.

الحدود الدموية وصوت العقل

كيف سيكون مشهد العلاقة بين الشرق والغرب؟ هل ستستمر الحدود الدموية التي رسمتها الأطماع التاريخية بين شطري العالم؟ أم سينصت الإنسان لصوت العقل ويدرك أن عصر الحروب المعمد بالدم ينبغي أن ينتهي ويحل محله عصر الحوار والتفاهم؟.

من المؤسف أن فلاسفة الموت يجدون في الأخبار كل يوم ما يذكي نظريتهم عن صدام الحضارات، حيث يؤكدون أن الحوار مع الإسلام سخافة لا وجود لها في التاريخ وعلى الإنسان أن يمضي في خياره المجنون إلى المواجهة بالدم.

هل تعلم الإنسان من الماضي أن منطق الصدام الحضاري معناه استمرار الحياة في الجنون، عبر جدلية البناء والتدمير العابثة الخائنة؟ وأن لغة القوة مهما كانت صارخة وقاهرة هي منطق مترنح في النهاية وأن دورة التاريخ لن تتوقف، ويقول القرآن الكريم (وتلك الأيام نداولها بين الناس والعاقبة للمتقين).

لقد قالها بوضوح قبل أكثر من عقد من الزمن زبينغو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق: إن المجتمع المنغمس في الشهوات (ناهيك عن المظالم والقهر) لا يستطيع أن يقدم للعالم مثلا أخلاقية!!.

ومن المؤسف أن نوعية الحياة في الغرب ارتبطت أساليبها بقسوة النظام الإنتاجي الرأسمالي، وضرورة ضمان أسواق له في شتى بقاع العالم، وابتداع نظام الشركات متعددة الجنسية وحمايتها بكل السبل، إلى درجة تبرير التدخل العسكري السافر، وأخيرا قهر الدول للانضمام إلى اتفاقية (الجات) التي ستؤول فوائدها بشكل جوهري إلى الدول الأكثر تقدما على حساب الأخرى المتخلفة والأقل نموا، يساعدهم على ذلك سيطرة القوة والإرهاب بالتهديد والوعيد لمن لا يكون في صفهم كما حدث مؤخرا في تداعيات 11 سبتمبر 2001 والأزمة الأفغانية والصمت القاتل عن جرائم الحرب الإسرائيلية في فلسطين.

لا شك أن العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب ترتبط ارتباطا جوهريا بالقضايا السياسية الهامة وهي: القضية الفلسطينية والمواقف التي يتخذها الغرب تجاه الصراع العربي الإسرائيلي، والقضية العراقية واحتلال العراق من قبل القوات الأمريكية والبريطانية، والسيناريوهات الخطرة المحتملة التي يناقشها علانية المسئولون في الولايات المتحدة وتدعو إلى إحداث تغييرات جذرية في المنطقة، وتهديد سوريا وإيران.

العرب بين أوروبا وأمريكا

ويبدو أن ثمة اختلافا في المعسكر الغربي بين أوروبا والولايات المتحدة في موضوع العلاقة مع العالم الإسلامي، وقد لوحظ ذلك بوضوح في الغزو الأمريكي للعراق، كما أن الدول الأوروبية نفسها كانت منقسمة حول الحرب، وهو ما وصفه الأمريكان "بأوروبا القديمة وأوروبا الجديدة".

إن الغرب الأوروبي في إطار الصراع مع الدولة العثمانية، وقف بجانب الفكرة الصهيونية لتقليص الدولة العثمانية في آسيا الصغرى، وحديثا هناك محاولات لزرع ثقافة الكراهية لتنشئة أجيالها المتتالية على كراهية الشرق الإسلامي والعربي، وذلك بتقديم صورة خاطئة عن الإسلام والمسلمين والصمت عن جرائم الحرب الإسرائيلية في فلسطين.

إن أحداث سبتمبر 2001 دشنت الحكم بالخوف، هذا الخوف الذي تحول إلى استثمارات ضد ما يسمى "الإرهاب"، والذي يساوي 400 مليار دولار سنويا تنفق ضد هذا الإرهاب الذي لم يخضع لحد الساعة لأي تفسير أو تحديد قانوني دولي مقبول، هذا "الإرهاب" الذي يستثني الإرهاب الآخر -أي إرهاب الدولة- الذي يخلف أكبر الخسائر في الأرواح، ويدمر البنيات التحتية والمعدات.

سوء الحكم وتعثر التنمية

لقد أدى سوء الحكم وتعثر التنمية في كثير من دول العالم الإسلامي إلى تعقيد العلاقات مع الغرب، فقد نشأ خلل كبير في توازنات القوى، مما سهل على الغرب الأقوى التلاعب والهيمنة والمعاملة فاضحة الظلم للعالم الإسلامي الأضعف، كما أن الفجوة التنموية الهائلة تغذي أيضا مشاعر التحامل والازدراء والضغوط والصراعات التي تفسد العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب.

وقد أدى الضعف وعدم التمكين -النابعان من سوء الحكم وسوء التنمية- إلى اعتماد كثير من البلدان الإسلامية على المساعدة الاقتصادية الغربية، وفي بعض الحالات على العون العسكري والحماية من جانب الغرب، وهو الأمر الذي يضع تلك البلدان تحت تأثير الإغراءات والضغوط التي تجعلها تتصرف بما يتفق مع مصالح الغرب، وبذلك تساوم تلك البلدان على استقلالها وسيادتها، وتضحي ببعض مصالحها الحيوية فضلا عن مصالح الشعوب الإسلامية الأخرى، كما يؤدي ذلك إلى الانقسام والنزاع وإيقاع الفوضى بين بلدان العالم الإسلامي مع تحريض تلك الدول التي أصبحت تابعة للولايات المتحدة ضد البلدان التي نجحت في استعادة نوع من الإرادة المستقلة.

لقد فشلت كل مشاريع التنمية في العالم الإسلامي وفي مقابل ذلك نجحت مشاريع تنموية في تطوير صرح البناء الحضاري الغربي، واشتدت حدة المواجهة الحضارية بين الغرب والعالم الإسلامي في محاولة من الغرب للضغط على العالم الإسلامي وإخضاعه لمنطق القوة، وبدأ الحديث عن عدم جدوى الممانعة الحضارية وضرورة الاندماج في مشاريع إلحاق غربية لأجل تحقيق التنمية المنشودة، وهكذا عادت جدلية العلاقة بين التنمية والبعد الحضاري والقيمي والإنساني لترسم من جديد مدى التشابك والتداخل الحاصل بين البعدين.

ويمكننا أن نقول: إن خيار الممانعة الحضارية يبقى خيارا مشروعا لا يحتاج إلى تأسيس بياني من داخل المدرسة الإسلامية، لأن رد العدوان والمقاومة خيار إنساني فطري وجداني لا يحتاج إلى كثير من العناء في سبيل تأصيله كخيار، فالمحدد الأساسي في هذا الاختيار الحضاري الممانع إنما تفرضه طبيعة الأشياء وظروفها الموضوعية، ومتى خضعت هذه الظروف لعملية تبدل وتغيير فإنها حتما ستؤثر على طبيعة الخيار الحضاري الذاتي، وقد يتحول الموقف من حالة ممانعة شاملة إلى ممانعة جزئية، أو إلى حالة طبيعية من الحوار والتفاعل الحضاري الذي لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة الحوار والثقة المتبادلة واحترام الآخر واستقلاله وسيادته، وهو ما نتوقعه ونؤمله.

الإسلام مشروع مجتمعي

إن الإسلام ليس دينا وعقيدة فحسب، ولكنه رؤية كلية للحياة ومشروع مجتمعي ونظام لقيم مجتمعية شامله؛ وهو نظام يدافع عن مبدأ التعددية الثقافية، وهذا أحد الأسباب التي ساهمت في نجاحه وسرعة انتشاره؛ فالإسلام لم يدعُ أبدا إلى فرض نظام ثقافي أوحد.

وهذه القيم التي يحملها الإسلام لا تتعارض مع القيم الإنسانية والكونية ويقول "المهاتما غاندي": "أريد أن تهب كل ثقافات الأرض قرب منزلي بكل حرية، إن أمكن ذلك، لكني أرفض أن أنقلب من جراء رياحها العاتية".

فإذا كان تاريخ البشرية يعد بآلاف السنين، فإنه من الأهمية بمكان الرجوع إلى النسب المعقولة للتاريخ، والكشف عن أن "الكونية" امتداد في المكان، وأيضا في الزمان.

هل لنا أن نتذكر أنه على إثر حقبة من المجابهة العسكرية بين العالم الإسلامي والدولة البيزنطية، وريثة الحضارة اليونانية القديمة، بدأت مرحلة من التفاعل الثقافي لا مثيل لها في التاريخ أدت في أواسط القرن التاسع إلى ترجمة التراث اليوناني العلمي والفلسفي والطبي برمته تقريبا إلى العربية وتواصل هذا التفاعل طيلة ما لا يقل عن ثلاثة قرون كانت أوروبا قد تناست التراث اليوناني خلالها بينما انتقلت الوصاية على هذا التراث العريق إلى العالم العربي.

إن للتقارب الحضاري شروطًا عدة أهمها التبادل والتفاعل، وأن مثل هذا التبادل والتفاعل بين العالم الإسلامي والغرب كان في حقبتين: الأولى إبان القرن الثامن والتاسع مع بيزنطة وريثة اليونان القديم، كما سبق القول، والثاني إبان القرنين الثاني عشر والثالث عشر مع أوروبا الغربية، وقد كان هذا التفاعل فريدا فليس في تاريخ الصين أو اليابان مثلا شبيه له حتى أوائل القرن العشرين، فالمطلوب اليوم المضي قدما في مضمار التبادل والتفاعل بين الإسلام والغرب لتحقيق هدف التقارب الذي لا غنى عنه.

في هذا المجال يتوجب على الغرب اليوم مواصلة النشاطات الفكرية الهادفة إلى فهم الإسلام على حقيقته ومواصلة الجهود التي بذلها المستشرقون منذ مطلع العصور الحديثة التي عرّفت العالم الغربي إلى حد بعيد بكنوز الحضارة الإسلامية.

إن الإسلام والغرب التقيا لقاءً مباشرًا على أرض الأندلس، وكان هذا اللقاء إيجابيًّا في كثير من الأحيان، ومع مرور الزمن استمر الحوار الفكري بين الفلاسفة والعلماء والمؤرخين حول كيفية نشوء الحضارات والأسباب التي أدت لازدهارها والتي أدت لانقراض بعضها، استمر حتى برزت فكرة الصراع بين الحضارات والتي تبناها "فوكوياما" في كتابه "نهاية التاريخ"، و"برنارد لويس" في كتابه "أزمة الإسلام"، و"صموئيل هانتنجتون" في دراسته "صراع الحضارات"، وقد ساعدت تفجيرات 11 سبتمبر 2001   على رواج هذه الفكرة كما ذكرنا، وسعى البعض لربط ظاهرة الإرهاب بالإسلام، كما ظهرت نعرات تدعو إلى كراهية العرب والمسلمين.

وهذا ليس في صالح أحد؛ فالإسلام لم يقهر الغرب، والغرب لن يقهر الإسلام، وليس بينهما من سبيل سوى التعايش والحوار وإيجاد المناخ الثقافي لقبول الآخر، إن الصراع بين الإسلام والغرب لا يتمثل بين الإسلام والمسيحية، وإنما الصدام هو مع الفكر الاستعماري الاستعلائي.

التحدي الإسلامي في الغرب

لا شك أن الإسلام يشكل بالنسبة للغرب نوعا ما من أنواع التحدي بمنظومته القيمية التي استعصت على الاحتواء على مدى قرون من التدافع والصراع؛ فرؤيته للكون والإنسان وما وراء الكون، ومنظوماته القيمية والتشريعية تتسم بتماسك وقوة تجعلها العقبة الأكبر في سبيل انتصار النموذج الغربي انتصارًا حاسمًا ليتحقق الحلم الغربي عند البعض بوصول التاريخ الإنساني إلى نهايته، وبقدر ما تحقق حمى نهاية التاريخ المزيد من الانتشار غربيا كلما ازدادت الرغبة في قهر العالم الإسلامي ثقافيا ومعرفيا والطموح إلى انتزاع اعتراف منه بقبول دور التابع الدائر في فلك المركزية الغربية.

إن ما يحققه الإسلام من انتشار في الغرب على الرغم من الحال المزرية من التخلف التي يمر بها العالم الإسلامي، وعلى الرغم من حملات التشويه الجبارة التي يتعرض لها يشير إلى أنه قادر -بمعزل عن دعم سياسي من الأمة الإسلامية- على المزيد من الانتشار، فهو يحتاج إلى الحرية وحسب، وكلما ازدادت وتيرة انتشار الإسلام في الغرب كلما أصبح مطروحًا كمكون ثقافي في مجتمعات تعتبر الحرية أثمن ما تملك، وبالتالي لا يمكن أن تفكر في اللجوء لقمعه أو استبعاده بعد أن أصبح وجوده يستند إلى قاعدة سكانية غربية صلبة، وبالتالي فقدت صورته النمطية كوافد قدرتها على التأثير، ففي فرنسا لم يعد الإسلام مغربيًّا، وفي ألمانيا لم يعد تركيًّا، وفي بريطانيا لم يعد باكستانيًّا... وهكذا.

ولذا فلا غرابة في أن يصبح احتواء الإسلام وتطبيعه غربيا أحد أكثر القضايا إلحاحا على العقل الغربي، فيصبح حجاب طالبة مسلمة سببًا في إثارة رعب يذكِّر الغرب بصفحة من أكثر صفحات تاريخه سوادًا هي صفحة الحروب الدينية والمذهبية الغربية - الغربية، فلا بريطانيا استطاعت قبول وجود كاثوليكي فيها (وما زالت مشكلة أيرلندا جرحا مفتوحا حتى الآن) ولا فرنسا استطاعت استيعاب وجود بروتستنتي فيها.

مسئولية دينية وأخلاقية

لا شك أن هناك مسئولية دينية وأخلاقية وإنسانية على المسلمين في تصحيح صورة الإسلام في الغرب، والأطروحات التي يقدمها الغرب للتعايش مع العالم الإسلامي، وكذا التعاون الإنساني بين الإسلام والغرب المبني على أرضية اقتصادية سياسية فكرية مشتركة، وإيجاد أرضية ثقافية روحية مبنية على القيم والمبادئ الإنسانية المشتركة التي يجب أن يقوم عليها التعارف والتعاون بين العالم الإسلامي والغرب بدل التنازع والتنافر والعداء.

إن مراحل التعايش التي عرفتها الشعوب المختلفة في كل العصور الذهبية للإسلام والتي أدت إلى تشكيل حضارة إنسانية متناغمة ساهم في إبداعها الإنسان بصفة عامة -مسلما ومسيحيا ويهوديا- وتجسد هذا التناغم في الأندلس على أكمل وجه.

إن العلاقة بين المصالح السياسية الآنية المباشرة والرؤى الحضارية في شمولها وعمقها علاقة معقدة لا يمكن تجاهلها، فلا يجوز الاكتفاء في رسم صورة لمساحات الخلاف الكبيرة بين العالم الإسلامي والغرب باستحضار لحظة تاريخية واحدة كالحروب الصليبية مثلا لتلخيص تاريخ هذه العلاقة، كما لا يسوغ التوقف عند مفردة واحدة من مفردات العلاقة في الحاضر كما هو الحال مع التمركز حول "النفط" كتفسير وحيد يغيب غيره من العوامل.

أيها السادة الكرام.. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب أكثر تعقيدًا، خاصة في الآونة الأخيرة، وتحديدا بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر، واتهام الإسلام بأنه يختزن في صلب تشريعاته الإرهاب والعنف، فأضحى الإرهاب سمة كل عربي ومسلم.

وعندما وقعت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) في أمريكا، جعلت الإدارة الأمريكية الحالية تستفيد من هذا الحدث، لتشنّ حربا عالمية على الإسلام والمسلمين، بحجة الحرب على الإرهاب، على أساس أن الإسلام دين يرعى الإرهاب والإرهابيين، من خلال تأكيدهم النقاط الملتبسة في فهم الإسلام.

ونحن كنا -وما زلنا- نؤكد منذ 11 أيلول (سبتمبر)، أن الإسلام لا يقرّ هذه الوسائل، وأنّه إذا قام بعض المسلمين ببعض الأعمال التي تصنف في دائرة الإرهاب وتثير الجدل، فهذا لا يعني أن المسلمين بأجمعهم يتحركون في هذه الخطوط المرتكزة على العنف.

وإذا أردنا أن نستخدم هذا المنطق في الحكم على عالم إسلامي لمجرد قيام بعض أفراده بوسائل العنف غير المبرّر، فإننا نجد أن هناك في الغرب أكثر من منظمة إرهابية تقتل الناس الأبرياء بطريقة أو بأخرى، سواء في أمريكا أو أوروبا أو سواهما.

إن العدالة في الحكم على الأشياء تقتضي الدقة في دراسة معطيات الاتهام أو معطيات الحكم كما يقول القانونيون ولذلك، فإننا نعتقد أن حديث الغرب عن الإسلام بأنه دين إرهابي لمجرد بعض الأوضاع التي حدثت من حالات العنف، هو حكم غير عادل وغير مبرّر، ولا يمكن أن يتقبّله أي منطق ديني أو حضاري.

ثم إننا كمسلمين نعمل على أساس صداقة العالم، ونفرّق بين الإدارات الغربية، وبين الشعوب الغربية، وقد لاحظنا أن كثيرًا من شعوب الغرب، قامت بالتظاهر على مستوى مئات الألوف ضد الحرب التي أثارتها الإدارة الأمريكية في العراق وفي أفغانستان.

ليس هناك أي مشكلة على الإطلاق بين العالم الإسلامي والغرب، وإذا كنا نختلف في بعض المبادئ، فإن الوسيلة التي نتبعها من خلال تعاليم الإسلام، هو أسلوب الحوار هناك الكثير من الغربيين الذين يعيشون في البلاد الإسلامية، ولم يتعرض لهم أحد إلا في حالات بسيطة قد يحدث مثلها في الغرب، وفي المقابل، نجد الملايين من المسلمين الذين يعيشون في الغرب، ولم يربكوا حياة الواقع الغربي، بل تعايشوا مع الغربيين بشكل طبيعي جدًّا.

نعم.. هناك متطرفون في المسلمين، كما أن هناك متطرفين في الغرب، أليست هناك حالات عنصرية ضد الأجانب في الغرب؟، ولكنّنا لا نقول: "إن الغرب كله متعصّب أو عنصري"، وكذلك هناك متعصبون في المسلمين، حتى ضد المسلمين بعضهم مع بعض، ولكن لا نقول إن الإسلام عنصري أو متعصّب، وهناك آية في القرآن تتحدث عن الأسلوب الذي يحوّل الأعداء إلى أصدقاء: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم}، وهذه الآية تخاطب اليهود والمسيحيين أيضا، ليأتوا مع المسلمين إلى الفكر الذي يلتقون عليه،