|
السؤال:
كيف يمكن أن يتربى
الإنسان ليصبح رجلاً حقيقيًّا مثل سلفنا الصالح؟
الجواب:
أخي السائل الكريم،
شكرًا على سؤالك قليل الكلمات، عظيم التبعات؛ السؤال الذي يحمل
في إجابته تاريخ الأمم، وعوامل قيامها وانهيارها، السؤال الذي
تأسس على سنن الله تعالى في الكون، وأخيرًا هو السؤال الذي ما
فتئ القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم يدعوان إلى فهمه
كي يأخذ المسلمون بأسباب فلاحهم وتفوقهم وإبداعهم.
وكي أجيب على السؤال، عليَّ أن أتعامل معه بتحليل مفرداته،
ومفرداته هنا أمران: "الرجولة"، و"السلف".
وحين نتحدث عن "السلف" فإننا نصل إلى معنى "الرجولة"؛ لأنهم
بأفعالهم حققوا معنى "الرجولة"، فإذا فهمنا "السلف" وصلنا للـ"رجولة".
وكي نحلل "السلف"، فإن علينا أن نرى أدواتهم التي أوصلتهم
للرجولة، وبما أن الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم هم خير
السلف، فلندرس كيف تعاملوا مع الإسلام حين جاءهم، وكيف جعلوه
واقعًا يعاش، ولماذا حققوا بجميعهم، ما لم يستطع من بعدهم
تحقيقه بجميعهم.
كيف تعامل الصحابة الكرام مع الإسلام والواقع؟
حمل تعامل الصحابة الكرام مع الإسلام والواقع عناصر خمسة:
1- نقاء المنبع.
2- الفهم.
3- التلقي للفعل.
4- إرادة التغيير.
5- فهم الواقع والحال.
1- نقاء المنبع:
جاء صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام في وقت كانت تموج فيه
الجزيرة العربية بين عبَّاد الأصنام، ومتبعي الأديان السماوية
كاليهودية والنصرانية، ومتبعي الديانة الإبراهيمية المتوقفين
عن اتباع أية ديانة أخرى، ويحيط بالمنطقة حضارتان عظيمتان
تحفان في حدودهما جزيرة العرب، هما الحضارة الرومانية والحضارة
الفارسية، وهاتان الحضارتان كان لهما من التأثير على العرب
الشيء الكثير.
كل هذه التأثيرات هي التي جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يرفض
أي نوع من "المساومة" مع مشركي مكة.. فلا إمارة، ولا مال، ولا
عبادة كل إله عامًا، ولا شيء من كل ذلك، وهو ما أكده القرآن
الكريم بوضوح شديد، وبتأكيدات متعددة، حين نزلت سورة
"الكافرون" قاطعةً فاصلةً جلية: (قُلْ يَا أَيُّهَا
الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ
أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا
عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ
دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ).
ولهذا السبب نفسه كان غضب النبي صلى الله عليه وسلم ورد فعله
القاطع حين أتاه عمر بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه
عليه فغضب وقال: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء
فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده
لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني" رواه أحمد
والبزار، قال الإمام ابن حجر: "ورجاله موثقون إلا أن في مجالد
ضعفًا"، ثم قال: "واستعمله -أي البخاري- في الترجمة لورود ما
يشهد بصحته من الحديث الصحيح".
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: "لا تسألوا أهل الكتاب
عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا أن تكذِّبوا بحقٍّ أو
تصدِّقوا بباطل" أخرجه سفيان الثوري بسند حست.
ولما سئلت عائشة رضي الله عنها عن أخلاق النبي صلى الله عليه
وسلم قالت: "كان خلقه القرآن" رواه مسلم.
لذلك كان كل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو نتيجة لما
بثه القرآن الكريم في نفسه عليه الصلاة والسلام.
إذا أردنا أن نكون "رجالاً" علينا إذن أن نرجع إلى نبعنا
الصافي.
وحتى لا يساء فهم كلامي: لست أعني هنا أن نهمل التفسير وأقوال
العلماء في معاني الآيات، إنما أعني أن نترك ما أضافه كثير من
الناس من علوم الكلام على القرآن الكريم، ومن وجود
الإسرائيليات في التفسير، ومن الروايات الضعيفة والموضوعة التي
حفلت بها كتب التفسير، أن نعود إلى القرآن الكريم بنصه، وإلى
الأحاديث الصحيحة الواردة حول آياته، وإلى أقوال العلماء
وتفسيراتهم المعتمدة الموافقة لأصول الإسلام ومقاصده.
2- الفهم:
من أكبر ما أصاب أمتنا في مقتل انعدام الفهم في عقول أبنائها،
فغدت نصوص الإسلام نصوصًا حفظيةً، يحفظونها عن ظهر غيبٍ بلا
وعيٍ ولا فهمٍ، فظهرت الأفهام القاصرة، وتعددت الاجتهادات غير
المبنية على أي أصل من أصول الشريعة، وانبنى على ذلك كله أفعال
أفسدت وأضلت، وعادت بأمتنا سنين طوالاً إلى الوراء.
لقد غدونا نرى المفتي المبدع الذي أفتى بقصر صلاة المغرب في
السفر! ولمَّا سئل عن كيفية ذلك، إذ هي ثلاث ركعات، وقصرها
يعني ركعةً ونصف الركعة، أجاب بعبقريته الفذة بأن النصف يصبح
واحدًا بقاعدة جبر الكسر المعروفة في علم الرياضيات!! فتغدو
المغرب ركعتين في السفر.
وعَلمنا من ترك الدراسة والتعلُّم وأخذ يبيع مشروب "السوس"
للناس في الشوارع بحجة أن الجامعات جاهلية!
وسمعنا من يسافر من بلدٍ إلى آخر كي يشتري "البنزين" لسيارته
لأن محطات البنزين في بلده ملكٌ لحكومته "الكافرة"، بينما هي
محطات خاصة في البلد الآخر.
وشاهدنا من تحدثه في مسألة فقهية اختلف فيها العلماء، فيردُّ
عليك قائلاً: "لو أتيتني بنصٍّ صحيحٍ أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم فعل ذلك فسأبقى أقول أنه حرام". أهم يضعون دين الله
تعالى وأحكامه؟ بل هم يضيّعونه.
وطالعنا حملة لواء القتل والتكفير واستحلال مال "الأمِّيِّين"
بمنطق اليهود حين قالوا: (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ
سَبِيلٌ).
قصصُ غباءٍ وجهلٍ كثيرة وغريبة وشاذة لا يمكن ذكرها هنا بحال،
ولا حصر آثارها السلبية، وكلها منبعها انعدام الفهم في عقول
هؤلاء، وما كان هذا منهج الإسلام، لقد أمرنا الله تبارك وتعالى
مرارًا وتكرارًا بالتفكر وإعمال العقل للفهم والفقه والعظة،
كما اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم منهج "التعليم" مع أصحابه
الكرام: فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كان النبي صلى
الله عليه وسلم يعلمنا هؤلاء الكلمات، كما تعلم الكتابة:
"اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من
أن نردَّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، وعذاب
القبر" رواه البخاري، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:
"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا
السورة من القرآن" رواه مسلم.
ولذلك نهى صلى الله عليه وسلم من كان يختم القرآن الكريم كل
ليلة عن فعل ذلك، وآخر ما وصل به مع عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما أن يقرأ القرآن الكريم كل سبع ليال، فحين ذُكر فعل عبد
الله بن عمرو للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "القني به"،
فلقيته بعد، فقال: "كيف تصوم"، قلت: كل يوم، قال: "وكيف تختم"،
قلت: كل ليلة، قال: "صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل
شهر"، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم ثلاثة أيام في
الجمعة"، قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: "أفطر يومين وصم يومًا"،
قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: "صم أفضل الصوم، صوم داود،
صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة" رواه البخاري.
فليست المسألة ختمًا للقرآن الكريم مجردًا من الفهم، وإنما هو
قراءة فاهمة واعية له، هكذا كان تعليم النبي صلى الله عليه
وسلم لأصحابه، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كنا إذا
تعلمنا من نبي الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات من القرآن لم
نتعلم العشر التي بعدها حتى نعلم ما فيه"، فقيل لشريك - راوي
الحديث -: من العمل؟ قال: نعم، رواه الحاكم بسندٍ صحيح.
ثم لا حظ معي قول الله تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ
لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ
تَنْزِيلاً) "على مكث": أي برويةٍ وأناةٍ، فهذا أدعى للفهم.
الفهم حديثه يطول، وحسبي من الاستشهاد الإثبات.
3- التلقي للفعل:
وهذا بابٌ آخر فقدناه، ففقدنا أمتنا من جرائه، حين كثرت علوم
"التفلسف" غير المبني عليها عمل في الإسلام، وتكاثر المنظِّرون
الذين لم يهدءوا ليل نهار في التفكير ووضع النظريات في ما لا
يفيد، وظهرت موضوعات فلسفية عجيبة غريبة انشغل فيها الناس
وتشاغلوا، وأضاعوا فيها الأوقات والأموال والمجهود، وهي لا
تساوي شيئًا في ميزان الله تعالى، بل سيحاسب أصحابها على
تضييعهم لأوقاتهم وجهودهم ومقدراتهم في ما هو هباء منثور.
إن حديث ابن مسعود السابق خير دليل على أن منهج الإسلام هو
التلقي للفعل: "كنا إذا تعلمنا من نبي الله صلى الله عليه وسلم
عشر آيات من القرآن لم نتعلم العشر التي بعدها حتى نعلم ما
فيه"، فقيل لشريك -راوي الحديث-: من العمل؟ قال: نعم، رواه
الحاكم بسندٍ صحيح.
إنه العمل إذن.
ومن ينظر في القرآن الكريم يجده نزل مقطَّعًا ولم ينزل جملة
واحدة: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ
عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً)، لم ينزل هذا القرآن
جملة، وإنما نزل بالتدريج، قال الإمام السيوطي:
(وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً) شيئا بعد شيء على حسب المصالح"،
وأي مصلحةٍ أهم من تلقي أوامر الله تعالى لتطبيقها وتنفيذها؟
4- إرادة التغيير:
كثيرون من أمتنا مقرُّون ما هم فيه من خطأ أو ضعفٍ أو كسل، لكن
كم من هؤلاء يمتلك إرادة التغيير هذه؟.
لقـد كان الرجل حين يدخل الإسلام يخلع على عتبته كل ماضيه
الجاهلي، ليبدأ عهدًا جديدًا، ثم يسير وفق أوامر الله تعالى
توجهه حيث توجهت، تتحول القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام
فيتحول بلا تفلسف وهو يصلي، عن البراء قال: "صلى - أي النبي
صلى الله عليه وسلم بعد تحويل القبلة - أول صلاةٍ صلاها صلاة
العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجلٌ ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد
وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم قِبَل مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت" رواه
البخاري.
وروى الإمام أحمد بسندٍ صححه بعض المحدثين أنه لما نزل قول
الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا
الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلاَمُ رِجْسٌ
مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ) قال الصحابة: "انتهينا ربَّنا"، وقاموا ليكسروا
أقنية الخمر.
إن "الرجل" هو الذي يجب أن يمتلك إرادة التغيير في نفسه، ألا
تأسره عادة، ألا يتحكم فيه هوى، ألا يقوده شيءٌ غير أوامر الله
تعالى وإرضائه سبحانه.
5- فهم الواقع والحال:
لست في حاجة إلى تكرار الحديث في هذا الموضوع، إذ تطرقنا إليه
مرات ومرات، أشير فقط إلى أنه لا يجوز، ولا يصح، ولا يُقبل أن
يعيش المسلم خارج الزمان، وواقعه خارج الأكوان، لا يعي ما
حوله، ولا يفقه كيف يحول دينه إلى واقعٍ يطبقه في حياته، فيغدو
من أهل الكواكب الأخرى الذين يتفرج الناس عليهم ويتندرون.
ويمكن الاستزادة في هذا الأمر عبر الروابط المذكورة في آخر
الاستشارة.
أخي الكريم، بهذه العناصر الخمسة تفهم كيف كان "السلف" - الذين
ترغب أن تكون "رجلاً" مثلهم - يتعاملون مع دينهم وواقعهم،
وبهذه العناصر نعود بأفرادنا "رجالاً" لتعود أمتنا أمة
"الرجال".
نشر في إسلام أنلاين
|