|
برغم
وجود ميل عام لعدم الربط بين أعمال الإرهاب وأحد أكبر الأديان
على مستوى العالم، وهو الإسلام، أو الاعتراف بأن ظاهرة الجهاد
مستقاة من مبادئه، فإن بعض الخصائص المحددة التي يتسم بها
الإسلام "الراديكالي" -وتجعله أشبه بحركة اعتراض اجتماعية
وسياسية- تجعل الإسلام في جوهره حركة دينية مغالية في التشدد
وعلى علم ودراية بما هو الصواب والخطأ دينيا وكيف ينبغي أن
يتصرف المسلمون؛ وهو ما يعني أن الصورة الراديكالية (السنية)
من الجهاد وعلاقاتها بالغرب تقف على أرض إسلامية صلبة.
وفي
هذا الصدد، يتميز الاختلاف بين مذهبي السنة والشيعة بأهمية
خاصة، ذلك أنه من الناحية التقليدية اتسم الإسلام الشيعي بقدر
أقل من التطرف والراديكالية عن نظيره السني، خاصة أن تقبل
الشيعة للمعاناة وانتظارهم لعودة الإمام المغيب "المهدي" كي
يقر العدل حال دون تنمية روح الحراك لديهم.
أولا: الإسلاميون الراديكاليون وشرعية الجهاد
بغض
النظر عن الأسباب السياسية وراء العداء الشعبي من قبل المسلمين
إزاء الغرب، يظل الإسلام الراديكالي في جوهره حركة دينية تعد
أشبه ما يكون بـ "الفاشستية الدينية".
وبالنظر إلى العلاقة القائمة بين التيار الرئيسي من المسلمين
والتوجهات الراديكالية المختلفة، نجد أنها تتسم بانعدام
التكافؤ لصالح الأخيرة لعدة أسباب، منها:
أولا: بإمكان الراديكاليين الاستشهاد بمعتقدات دينية مشتركة
وعرض حجج منطقية يصعب على المسلمين أتباع التيار الرئيسي
الأرثوذكسي (المحافظ) من الإسلام دحضها.
ثانيًا: غالبا ما يشعر التيار الرئيسي بالدونية مقارنة
بإخوانهم الحماسيين الذين يبدون استعدادهم لتحمل المعاناة من
أجل تطبيق المبادئ الدينية.
ثالثًا: في الوقت الذي قيد فيه الفقه الإسلامي الكلاسيكي مجال
التمرد المشروع ضد الحكام المسلمين، فإنه أيضًا جعل من هذا
التمرد جريمة مدنية ولم يسمح للحكام بإعلان خروج المتمردين عن
حظيرة الدين وتكفيرهم. وعليه، فبينما يتهم الراديكاليون
باستمرار الأنظمة القائمة التي يسعون لإسقاطها وخصومهم
الأيديولوجيين بالكفر، فإن الجانب الآخر يشعر بالتقيد
بالتقاليد الدينية التي تجبرهم على التعامل مع المتمردين
باعتبارهم "فئة ضالة"، وليسوا كفارا.
الشرعية الإسلامية للجهاد
من
بين القضايا المحورية في الفكر الفقهي للإسلام الراديكالي
التمييز بين "دار الإسلام" و"دار الحرب". ويشكل هذا التمييز
أساس الأحكام الشرعية التي تبرر الإرهاب. ومن بين وجهات النظر
الخاصة بهذا التمييز بين الإسلام و"الآخرين" ما يلي:
-
أكثر وجهات النظر راديكالية تعتنقها الجماعات التكفيرية، حيث
ترى أنه نظرًا لخضوع جميع الدول المسلمة لحكم أنظمة فاسدة
مرتدة، فإنها جميعًا لم تعد مسلمة وأصبحت أنظمتها كافرة.
-
هناك وجهة نظر أصولية كلاسيكية يتبعها معظم الشيوخ الوهابيين
والحنابلة وتضع تمييزًا حادا بين "دار الإسلام" و"دار الحرب".
-
هناك وجهة نظر تقليدية تعرف "دار الإسلام" باعتبارها أي مكان
يجري به تطبيق الشريعة، في حين تمثل جميع الدول الأخرى "دار
حرب". ويجري استغلال هذا التعريف على نطاق واسع لتبرير شن
الجهاد ضد الأنظمة العلمانية المسلمة.
-
أما حركة المهاجرين فتتمسك بوجهة نظر ترى أنه لم يعد من الممكن
تطبيق فكرتي "دار الإسلام" و"دار الحرب" في الوقت الحاضر؛
لأنهما تشيران ضمنيًا إلى وجود خلافة. ولكن عندما تتعرض أراض
مسلمة للاحتلال من جانب الكفار، فإنها تتحول إلى "دار حرب" أو
"دار غصب".
-
هناك موقف معتدل يتبعه العلماء المقيمون بالغرب ويرى أن "دار
الإسلام" تمثل أي مكان بمقدور المسلم ممارسة دينه بحرية فيه.
-
هنا رأي إصلاحي يلغي تمامًا فكرة "دار الحرب" ويقسم العالم بين
"دار الإسلام" و"دار الكفر" أو "دار الدعوة".
إن
جميع الآراء السابقة تعتبر مشروعة في إطار الإسلام لتحديد
التوجه الواجب اتباعه إزاء الدول غير المسلمة وجميعها تضرب
بجذورها في الفقه الإسلامي.
وفيما يخص الجهاد، يميز الفكر الإسلامي الكلاسيكي بين نمطين من
الجهاد:
1-
الجهاد الهجومي: وهو فرض "كفاية" على أمة المسلمين لمطاردة
الكفار داخل أراضيهم ودعوتهم لاعتناق الإسلام وقتالهم إذا
رفضوا ذلك. ولا يمكن شن هذا الجهاد إلا تحت إمرة حاكم إسلامي
أو خليفة.
2-
الجهاد الدفاعي: وهو فرض "عين" على جميع المسلمين للدفاع عن
الأراضي المسلمة عندما يتهيأ الكفار لمهاجمتها. ويشكل هذا
النمط الأخير من الجهاد الدفاعي أساس معظم التوجهات الجهادية
الحالية. بيد أن تعريف كلمة "دفاعي" بهذه التوجهات واسع بدرجة
كبيرة تكفي لاستيعاب ما يمثل عادة جهاد "هجوميا"، مثل الدفاع
عن الدين وكرامة المسلمين وحماية من يتعرضون للقمع بمختلف
أنحاء العالم ممن يقمعونهم.
العلماء وأزمة السلطة
داخل
المجتمعات المسلمة، اضطلع العلماء من الناحية التقليدية
بمجموعة متنوعة من الأدوار وشكلوا الجانب التشريعي من المجتمع،
حيث اضطلعوا بتفسير مصادر القانون واستحدثوا واجبات وقيودا
جديدة وعملوا كمصدر للشرعية الدينية للقياد التنفيذية.
ويمكن إرجاع نجاح الإسلام الراديكالي بدرجة كبيرة إلى وجود
فراغ في القيادة المعاصرة العلمانية أو الدينية المعتدلة جراء
أزمة الشرعية والسلطة الدينية والسياسية. ويعد تفكك القيادة
داخل العالمين العربي والمسلم نتاجًا لفقدان مصدر الشرعية، حيث
أفلست التوجهات القومية، في حين لم تحظ التوجهات الليبرالية قط
بشعبية كبيرة بسبب الصورة السلبية للولايات المتحدة. وجاء صعود
الأنظمة العلمانية الحديثة التي بنت شرعيتها على أساس
أيديولوجيات ثورية، وليس الإسلام؛ الأمر الذي قضى على الرابطة
التقليدية بين الحكام والعلماء. ورغم أن رجال الدين لم يعودوا
يشاركون في السلطة، تمت دعوتهم لدعم الحكام.
وقد
ترتب على ما سبق تدن مستمر في مكانة المؤسسات الدينية
الأرثوذكسية "المحافظة" السنية التي تعرضت لجهود منظمة لإلحاق
الضعف بها من قبل الأنظمة الحاكمة، في الوقت الذي فقدت شرعيتها
وسلطتها في أعين العامة لدعمها هؤلاء الحكام الاستبداديين
والقمعيين. وكان من شأن هذه الأزمة ظهور نمط من "الدمقرطة" أو
"الخصخصة" الدينية للفقه.
ومن
المفيد النظر إلى بعض دراسات الحالة في هذا الصدد، كالتالي:
مصر:
تواجد الأزهر على امتداد ألف عام قبل النظام الحديث، ويتمتع
بمكانة كبيرة داخل العالم المسلم؛ الأمر الذي يقوض قدرة النظام
على فرض إرادته عليه.
السعودية: جرى قبول مؤسس المملكة كإمام للمسلمين هناك،
وبالتالي لم يعد من الممكن التشكيك في أسلوب تفهمه لمصلحة
المسلمين. ويسرت العلاقات الوثيقة، منها علاقات أسرية، بين
الأسرة المالكة والعلماء، سيطرة النظام على مقاليد السلطة. بيد
أن هذا الأمر تغير، نظرًا لافتقار خلفاء "ابن سعود" لشخصيته
الكاريزمية وسيطرته على العلماء، حيث فقدت القيادة السعودية
الراهنة السيطرة الفاعلة على كبار العلماء.
الأردن: لا يوجد بها مثل هذه المؤسسة، حيث ضمنت الطبيعة
البيروقراطية المتعمدة للمؤسسة الإسلامية خضوعها الكامل
للسلطة.
سوريا: كبت النظام جميع صور المعارضة العلمانية، في حين عمد
إلى تنمية مؤسسات إسلامية تابعة له بهدف تعزيز شرعيته في
مواجهة التحدي الناشئ عن "الإخوان المسلمين".
العقائد الجهادية
تولد
الإسلام الأصولي الحديث عن الصراع بين مبدأ أن الإسلام ينبغي
أن يضم جميع مجالات الحياة ويوفر حلولا لجميع المشكلات التي
واجهها المسلمون من ناحية، والتحدي السياسي والاجتماعي
والاقتصادي والعسكري الناشئ عن الغرب.
ويمكن القول بأن أكثر الاتهامات الموجهة ضد الغرب شيوعًا داخل
الدوائر الإسلامية الراديكالية بأنه "يحتل" الأراضي المسلمة.
بيد أن القراءة الأعمق للنصوص الأيديولوجية الإسلامية تكشف أن
"الاحتلال الغربي" لا يعني الاحتلال العسكري فحسب، وإنما يشمل
التواجد الاقتصادي والثقافي والأخلاقي الغربي. وتحمل هذه
النصوص الثقافة الغربية مسئولية تشجيع الجاهلية الجديدة.
وتتمثل التيارات الرئيسية الأربع التي اندمجت في الحركة
الراديكالية الإسلامية الحديثة في:
1-
الوهابية: ظهرت بالقرن الثامن عشر في شبه الجزيرة العربية
وتقوم في جوهرها على رفض العالم الغربي وبدعه. وتأسست بناءً
على تحالف بين آل "سعود" والعالم الإسلامي "محمد بن عبد
الوهاب" بهدف تطهير الإسلام من البدع. وتنظر الوهابية إلى
الفترة الأولى من الإسلام باعتبارها مثالا للكمال ينبغي
احتذاءه، وتعمد إلى تفسير القرآن بصورة حرفية.
2-
السلفية: كانت في الأصل حركة فلسفية، وليست سياسية أو عسكرية،
ثم ظهرت كمدرسة إصلاحية أنشأها مفكرون مسلمون على صلة ومعرفة
بالغرب، مثل "محمد عبده"، ومثل الوهابية، وتدعي الحركة أنها
تسعى لإحياء الإسلام، ولكن بدلاً من رفض جميع التأثيرات
الغربية سعى أبناء هذه المدرسة لمواجهة تحديات الاحتياجات
المعاصرة من خلال إعادة تفسير المصادر الأصلية للفقه وفتح باب
الاجتهاد.
3-
الإخوان المسلمون: ظهرت كرد فعل لما بدا لأعضاء الجماعة من
ارتداد الحكام المسلمين الذين أضلوا الأمة المسلمة وقادوها إلى
عصر جديد من الجاهلية. واختارت توجها إصلاحيا يبدأ بالفرد، على
أمل إعادة أسلمة المجتمع بصورة تدريجية، ومع ذلك، نشأ عن
الحركة فرع جهادي بقيادة "سيد قطب".
4-
المجاهدون الأفغان: أضفت هذه الحركة البعد الدولي على التيار
الإسلامي الراديكالي الناشئ، وبينما عملت جميع التيارات
السابقة على توجيه حماس المسلمين نحو الداخل، جرى تنظيم هذه
الحركة بصورة محددة لخوض النضال ضد الكفار وطردهم من أراضي
المسلمين.
واندمجت هذه التيارات الأربعة لتشكل الحركة الجهادية؛ فمثلا
الوهابية تتبع تفسيرا حرفيا لنصوص الدين، في حين تقبل فلسفة
السلفية الخاصة بإعادة فتح باب الاجتهاد. وتؤمن بوجهة نظر
الإخوان المسلمين حيال إحداث تحول بالمجتمعات المسلمة من خلال
التركيز على الفرد، كما تضفي الصبغة الدولية على النضال تبعًا
لموروث المجاهدين الأفغان. ويذكر أنه من أبرز خصائص التيارات
السنية "الراديكالية" السابقة الكراهية الشديدة تجاه الشيعة.
التنظيم والقيادة
يمكن
النظر إلى التيارات الإسلامية "الراديكالية" المتنوعة
باعتبارها سلسلة من الدوائر المشتركة في ذات المركز، تتألف
أصغرها من المجموعة الأساسية من النشطاء، تحيط بها دائرة
المؤيدين النشطاء (والممولين) والحلفاء المحتملين، وأخيرًا
الجمهور العام المتعاطف مع الجماعة. ويختلف الاتساع النسبي لكل
دائرة من جماعة إلى أخرى. وكلما ازدادت شرعية المجموعة
الرئيسية من النشطاء داخل مجتمع ما، اتسعت الحلقة الداخلية،
مثل "القاعدة". وفي حالات أخرى، تعد الحلقة الخارجية الأكبر،
مثلما الحال مع "حماس" الفلسطينية و"حزب الله" اللبناني. في
حين تقع جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة وسطى بين النموذجين
المتطرفين.
منذ
فقدانها الملاذ الآمن بأفغانستان تحولت "القاعدة" بدرجة أكبر
إلى تنظيم متعدد الأقطاب؛ وهو ما تجلى في العدد الضخم من
الخلايا الإرهابية "المستقلة" أو "المحلية" التي تتبع
أيديولوجية "القاعدة"، في حين لا يوجد بينها وبين البنية
التحتية الإرهابية بأفغانستان سوى قدر ضئيل من الاتصال
المباشر.
ويعكس تعدد أقطاب القيادة والسيطرة داخل مثل هذه التنظيمات
ظاهرة تفكك السلطة الدينية بالعالم المسلم وتعدد الفتاوى
الدينية.
ثانيا: عوامل انتشار الحركات الإسلامية الراديكالية
النفوذ العربي داخل التيارات الإسلامية غير العربية
من
الواضح أن أكثر الحركات الإسلامية الراديكالية انتشارًا
وطموحًا وعنفًا تلك التي ظهرت بالعالم العربي. ويمكن إيعاز ذلك
إلى شعور العرب بتميزهم بمكانة خاصة بالنسبة للإسلام.
وبرغم أن ظاهرة الإسلام "الراديكالي" انتشرت بمختلف أنحاء
العالم، فما زال مصدرها مرتبطا بشكل وثيق بالعنصر العرقي
العربي من العالم المسلم. ويظهر الجزء الأكبر من أعمال الإرهاب
الإسلامي ومظاهر العداء تجاه الغرب في أوسط المسلمين العرب، في
حين يرتبط النصيب الأكبر من التسامح الإسلامي والاعتدال
والتعاون مع الغرب بالأجزاء غير العربية من العالم المسلم.
وترجع جذور جميع التيارات الدينية الراديكالية بين مسلمي وسط
وجنوب شرق آسيا بدرجات متفاوتة غالبا إلى التأثيرات العربية،
خاصة السعودية والمصرية واليمنية. وفيما يلي أبرز الأمثلة على
هذه الظاهرة:
1-
الشيشان: حاول المجاهدون العرب تحويل الثورة الشيشانية من نضال
وطني إلى حركة جهاد إسلامي دولية. وعند نقطة معينة، عمدت
القيادة الشيشانية إلى تقليص حجم المشاركة العربية في النضال
الشيشاني، لإدراكهم أن تحول القضية الشيشانية إلى جهاد إسلامي
لا نهاية له ضد الكفار سيحول دون تحقيق أي مكاسب سياسية عملية.
2-
إندونيسيا: اضطلع المهاجرون العرب، خاصة "الحضرميين"، وهم
العرب ذوو الأصول اليمنية، بدور بارز في استيراد ونشر أفكار
الإسلام الراديكالي, وقام "الحضرميون" الذين شاركوا في حركة
التجارة بين الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا بدور تاريخي مهم في
أسلمة المجتمع الإندونيسي بدءًا من القرن الخامس عشر الميلادي.
3-
الفلبين: يشكل النضال المستمر بجنوب البلاد من قبل العديد من
منظمات "المورو" مثالاً آخر على "القومية الإسلامية" التي
تحولت تمامًا إلى تيار الإسلام الراديكالي عبر الاتصال بعناصر
إسلامية راديكالية من العالم العربي.
4 ـ
تايلاند: منذ القرن الرابع عشر، عاش المسلمون في تناغم نسبي مع
باقي فئات المجتمع التايلاندي. وتعود الصبغة الراديكالية التي
بات يتسم بها مسلمو البلاد في الوقت الحاضر إلى انفتاحهم على
التأثيرات العربية، الباكستانية، الماليزية والإندونيسية.
صراع
القيم والعوامل الاجتماعية
من
بين العوامل الاجتماعية الكبرى وراء انتشار الإسلام
"الراديكالي" انهيار المصادر التقليدية للسلطة الاجتماعية داخل
المجتمعات التي ينتمي غالبية أبنائها للشباب. وجاء هذا
الانهيار ليمثل قوة جاذبة لصالح الأيديولوجيات الراديكالية بين
الشباب، ومصدرًا لرد فعل المؤسسة الدينية والعناصر المحافظة
لما اعتبرته "تغريب" للشباب المسلم.
وغالبًا ما يجري وصف الصراع بين الإسلام والغرب باعتباره صراعا
بين القيم؛ وهو ما لا يختلف عن "صدام الحضارات"، ذلك أن الأخير
في جوهره يدور أيضًا حول القيم. وتكشف استطلاعات الرأي العام
بالدول المسلمة أن التأثيرات الغربية غالبًا ما يتم وصفها
بالابتذال وانعدام الأخلاق والانفلات الجنسي واللامبالاة تجاه
الدين. أما أهم ميزة مرتبطة بالغرب يقدرها الرأي العام المسلم
فهي التقدم التقني.
وفي
الواقع، إن صدام الثقافات بين الغرب والأصولية الإسلامية لم
يندلع في 11 سبتمبر 2001، ولم يكتشفه "صامويل هنتينجتون" عام
1993، وإنما بدأ قبل ذلك بكثير عندما شرعت الأفكار الغربية في
اختراق الفضاء الإسلامي، وباتت تشكل تهديدًا كبيرًا عندما بدأت
وسائل الإعلام، خاصة المحطات التلفزيونية الفضائية، في نقل نمط
الحياة الغربية إلى كل منزل إسلامي. وبذلك، أصبح صدام القيم
قائمًا داخل المجتمع الإسلامي والنفس الإسلامية ذاتها. وأسفر
الصدام الداخلي بين التقليد والحداثة عددا كبيرا من الظواهر
السلبية، منها الصراع بين الأجيال، خاصة الآباء وبناتهن
الساعيات لاتباع أنماط السلوك الغربي، وكذلك بين الأزواج
والزوجات. بصورة عامة، يمكن القول أن الغرب أصبح يشكل تهديدًا
للقيم الجوهرية للمجتمع الإسلامي، وعلى رأسها القيم الأسرية
ووضع المرأة وسلطة كبار السن.
وعادة ما تتم الإشارة إلى الفقر ونقص الفرص الاقتصادية
باعتبارهما أحد أكبر المصادر الاجتماعية للراديكالية
الإسلامية؛ وهو ما يوحي بأنه بينما -ربما- يعد التحول
الاقتصادي شرطا ضروريًا للتصدي للراديكالية الإسلامية، فإنه
ليس كافيًا لاستئصال جذورها.
ومن
الخصائص الاجتماعية الأخرى التي تتسم بها الكثير من المجتمعات
المسلمة وتسهم في صعود الحركات الراديكالية، الغياب شبه الكامل
لـ"مجتمع مدني" علماني وليبرالي فاعل كحلقة وصل بين المواطن
والدولة. بدلاً من ذلك، اضطلعت القوى الإسلامية داخل المجتمعات
المسلمة بنفس الدور.
ويشكل التعليم في السنوات الأولى أداة جوهرية في يد الحركات
الإسلامية لبث أفكارها، علاوة على أن ضعف الهوية القومية اضطلع
بدور محوري في تشجيع الهوية والراديكالية الإسلامية. أيضًا،
فشل الشتات المسلم في الاندماج بمجتمعاتهم الجديدة كان له دوره
في انتشار النزعات الراديكالية بين أبناء هذا الشتات.
ومن
العوامل الكبرى الأخرى التأييد الاجتماعي للجهاد. ذلك أنه
عندما لا تلقى أعمال الإرهاب تأييدًا داخل المجتمع، يصبح
الإرهابيون مهمشين وتزداد الصعوبة التي يواجهونها في عمليات
التجنيد وتنفيذ النشاطات السرية. لكن على خلاف الحال مع
المنظمات الإرهابية الكبرى في عقدي السبعينيات والثمانينيات،
تعمل غالبية المنظمات الجهادية (باستثناء بعض المنظمات
التكفيرية) في ظل المجتمع المسلم، ما يتجلى في شعور بعض
الأمهات بالحاجة إلى التفاخر بتفجير أبنائهن لأنفسهم، في حين
من المعتقد أن مشاعرهن الحقيقية مختلفة كلية. وتوحي استطلاعات
الرأي بأن أحداث 11 سبتمبر وما تلاها لم تنجح في نزع الشرعية
عن الإرهاب. علاوة على وجود إجماع واسع النطاق داخل العالم
المسلم مؤيد لشن هجمات ضد إسرائيل.
البعد السياسي
من
العسير فصل الأسباب السياسية للراديكالية الإسلامية، نظرًا
للتقارب الشديد بين كل من الإسلام الديني والسياسي. بيد أنه من
الممكن تحديد ملامح الإستراتيجية السياسية للجماعات
الراديكالية، والتي تبدي في واقع الأمر قدرة كبيرة على انتهاج
توجهات عملية إستراتيجية.
بصورة عامة، تقوم مشاعر السخط السياسي الإسلامي إزاء الغرب على
أسباب تاريخية ومعاصرة، ونذكرها فيما يلي:
أولا: الأسباب التاريخية: ترتبط بتاريخ العلاقات السياسية بين
الحضارتين، بدءًا بانتصار المسلمين على الحضارة البيزنطية،
أعقب ذلك الحملات الصليبية، ثم بلغ الأمر ذروته في الحركة
الاستعمارية. ويرى البعض أن أحد أكبر مصادر الكراهية اعتقاد
المسلمين أن الحضارة المسيحية التي اتسمت بالبدائية في وقت من
الأوقات قد استولت لنفسها على الهيمنة والتفوق الثقافي والتقني
الذي يرى المسلمون أنه حق طبيعي لهم.
ثانيا: الأسباب المعاصرة: تفاقمت مشاعر السخط التاريخي جراء
أحداث معاصرة، مثل ما يدور بأفغانستان والعراق والحرب ضد
الإرهاب والحملة الرامية لمنع الدول غير الغربية (المسلمة)
للحصول على قدرات نووية عسكرية. وعلى مدار العقود الماضية،
عمدت بعض الدول المسلمة لاستغلال الإسلام الراديكالي في تعزيز
شرعيتها وأهدافها السياسية الخارجية. ويتخذ دعم الدولة للإسلام
الراديكالي صورًا متنوعة، تتضمن ما يلي:
1-
المشاركة المباشرة للدولة في نشر أيديولوجية راديكالية عبر
مؤسساتها، ما ينطبق على السعودية (التي تصدر الوهابية)، إيران
(التي تصدر الثورة)، السودان (في عهد "الترابي")، باكستان (في
ظل عدد من أنظمتها) وأفغانستان (في ظل"طالبان").
2-
الصورة الأكثر شيوعًا اتباع سياسة تقوم على منح الحركات
الراديكالية حرية العمل، إضافة إلى دعم المؤسسات الدينية
للأيديولوجيات الراديكالية؛ الأمر الذي ينطبق على كل من مصر
حيث يضطلع الأزهر بدور كبير في تأجيج مشاعر العداء تجاه الغرب،
وباكستان التي تسمح لمؤسستها الإسلامية بحشد الدعم للجهاد في
كشمير وأفغانستان ومناطق أخرى.
3-
توفير الدعم العلني للحركات الراديكالية الأجنبية، وفي الوقت
ذاته ممارسة القمع الوحشي ضد العناصر الراديكالية المحلية. من
الدول التي تتبع هذا التوجه سوريا وليبيا. وفيما يخص النظامين
السعودي والإيراني، يعد نشر الإسلام الراديكالي جزءًا لا يتجزأ
من أيديولوجية الدولة وآلية داخلية يتبعها هذان النظامان
اللذان تعتمد شرعيتهما على سياساتهما الإسلامية ووضعهما كنموذج
للإسلام.
ثالثا: كيفية مواجهة الإسلام الراديكالي
مما
سبق تعتمد ظاهرة الإسلام الراديكالي على مجموعة متنوعة من
العوامل المرتبطة بالجانب الثقافي: البنية التحتية للعقائد
الإسلامية التقليدية غير الموجودة بالثقافات الأخرى، والدور
الخاص للعرب في الإسلام ونشر الإسلام الراديكالي بمختلف أنحاء
العالم المسلم، وأزمة السلطة الدينية التي يعاني منها الإسلام
منذ مطلع القرن العشرين وتفاقم الصدع بين العالم المسلم والغرب
نتيجة الزيادة الكبيرة في أعداد المهاجرين المسلمين بالغرب.
وفيما يخص ظاهرة الجهاد، نجد أن الأسباب الجذرية والعوامل التي
تسهم في تفاقمها ما يلي:
(1)
التقاليد والمعتقدات الإسلامية التي تقوم على أن الإسلام هو
الدين الحق الوحيد وتمنح الفقه مكانة محورية وتبجل قيم الجهاد
والشهادة وتمجيد حقبة النبي. (2) أزمة السلطة الدينية
والعلمانية. (3) الرؤى القائمة على إنزال دمار شامل. (4) دعم
الدول والمؤسسات الدينية للتوجهات الراديكالية. (5) الظروف
الاجتماعية. (6) المؤثرات السياسية.
وفي
هذا الصدد، ينبغي تفحص حجة أن الديمقراطية بإمكانها أن تشكل
عائقًا أمام انتشار التوجهات الراديكالية بالمنطقة. يذكر أن
مبادرة الشرق الأوسط الكبير تقوم على الاعتقاد بأن غياب
الديمقراطية داخل الدول العربية والمسلمة يمثل عاملاً كبيرًا
في انتشار الراديكالية بهذه الدول. وواقعيا، تتوافر أدلة كثيرة
تدعم وجود صلة بين القمع وغياب الحقوق المدنية والإنسانية
واستشراء التوجهات الراديكالية، مثلما الحال في سوريا والشيشان
وأوزبكستان. بيد أنه لم يثبت حتى الآن قدرة الديمقراطية
بمفردها على التصدي في وجه الراديكالية والقضاء عليها، خاصة أن
الأنظمة الاستبدادية تميل لسحق المجتمع المدني الليبرالي،
تاركة الساحة خالية أمام الحركات الإسلامية باعتبارها المنافس
الحقيقي الوحيد في أي انتخابات تنافسية حقيقية في المستقبل.
التوجهات المستقبلية الممكنة
من
المؤكد أن العوامل الاجتماعية التي تسهم في تأجيج الصراع بين
الإسلام "الراديكالي" والغرب لن تختفي بين عشية وضحاها، ومن
غير المتوقع أن يشهد العالمان المسلم والعربي طفرة في النمو
الاقتصادي أو الرخاء. أما على الصعيد السياسي فمن المتوقع
استمرار الوجود الأمريكي الهائل بمنطقة العالمين العربي
والمسلم في المستقبل القريب. وربما يتم إحراز تقدم نحو تسوية
الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، لكن أي "تقدم" لا يتضمن
التدمير الكامل لإسرائيل لن يرضي العناصر الراديكالية.
وتتعلق التوجهات المستقبلية بعدد من الجوانب، منها:
1-
قضايا الشرعية والسلطة الدينية والسياسية بالعالم المسلم.
|