ا

  

الصفحة الرئيسية
  
مُـخـتـارات لا داعي للمبالغة في تأكيد هالة الالتزام في المملكة
 

 د. وائل مرزا

 

في قلب مجتمع الصحابة الذي تربى على يد خاتم الرسل كان يوجد (الظالم لنفسه) و(المقتصد) و(السابق بالخيرات). هذا ما يؤكدهُ القرآن الكريم دون لبسٍ أو غموض. يعلمُ هذا نظرياً كل من يدعو للالتزام بالدين والحفاظ على الأخلاق العامة في مجتمع المملكة. لكن شريحةً معينة تبدو مصرةً بقصدٍ أو عن غير قصد على تجاهل تلك الحقيقة. لأن لسان حال هؤلاء ولسان مقالهم يوحي بأنهم يعتقدون أنه لا يجب ولا يمكن أن يكون في المجتمع السعودي (ظالمٌ لنفسه) و(مقتصدٌ) وإنما على كل فرد منهم أن يكون (سابقاً بالخيرات).

ليس الأمر وليدَ البارحة. فالتأكيد على خلق (هالة الالتزام) بشكلٍ مبالغٍ فيه أمرٌ ظهر في مجتمع المملكة منذ عقود. يصعب التحديد علمياً كيف بدأت هذه الممارسة، لكنها كانت بالتأكيد نتاج تفاعلٍ بين فهم ورغبة علماء الدين وتجاوب السلطة والمجتمع في مرحلةٍ زمنيةٍ معينة، يغلب أنها أتت بعد أحداث الحرم المكي. لأن تلك اللحظة الحساسة كانت تتطلب وجود مثل ذلك التأكيد لإضفاء المشروعية الدينية والسياسية.

ومنذ ذلك الوقت تصاعدت طبيعة (الخصوصية) الدينية في المملكة إلى درجةٍ أصبح فيها مألوفاً الإصرار على مدى (التزام) جميع أبناء المجتمع السعودي بالتعاليم الإسلامية في جميع أنواع الخطاب: الإعلامي والثقافي والسياسي والديني والاجتماعي. وشيئاً فشيئاً استقرّ ذلك العرف إلى درجةٍ كبيرة ليس فقط داخل المملكة بل حتى خارجها على المستوى الإقليمي والعالمي.

المفارقة هنا أن ذلك الالتزام المفترض كان يؤكد في جانبٍ منه على جملة مسائل لا تدخل في إطار الأصول والكليات والثوابت وإنما تُعتبر في إطار الفروع والجزئيات والمتغيرات القابلة للاجتهاد في إطار تحقيق مقاصد الشريعة، مثل مظهر الإنسان وشكل اللباس، ودور المرأة داخل المجتمع من حيث درجة ونوعية ظهورها فيه وعلاقاتها مع أفراده رجالاً ونساءً، ومسألة إغلاق الأسواق في أوقات الصلاة، والموسيقى وأمثالها من بعض القضايا داخل حقول الأدب والفن والجمال. هذا على سبيل المثال لا الحصر فهناك أمثلةٌ أخرى عديدة تمّ حشرُها جميعاً في إطار صورة (الالتزام) الذي كان من المفترض فيه أن ينطبق على جميع أفراد المجتمع السعودي. من هنا، أصبح أي ابتعادٍ عن المقاييس الموضوعة بصرامة لتلك القضايا يُعدُّ نوعاً من الخرق لذلك الالتزام.

لكن ذلك النوع من (الخروق) كان لابد أن يتكرر، أولاً لأن تلك المسائل ليست من الكليات والأصول والثوابت المعروفة التي يتجنّب الملتزم خرقَها، وإنما تدخل في إطار الاجتهاد الذي يوفر مساحةً من الخيارات التي تتمحور في النهاية حول تحقيق مقاصد الشريعة الكبرى. وثانياً، لأن في المجتمع السعودي مثل أي مجتمع آخر (ظالمين لأنفسهم) و(مقتصدين) و(سابقين بالخيرات). هذا إذا افترضنا جدلاً أن مخالفة المقاييس الموضوعة في المسائل الخلافية تؤدي لمثل هذا الفرز، وهو ما لا نعتقد به شخصياً.

ومع تكرار تلك الخروق للأسباب التي ذكرناها آنفاً تصاعد ردّ الفعل في العقدين الماضيين وإلى ما قبل السنوات القليلة الماضية من قبل شرائح واسعة من علماء الدين. لأن تكرار ما يُفترض أنها (خروق) وزيادة مساحتها كان يعني لديهم توسيع مساحة التمييع للدين وتعاليمه. فأصبح الإصرار على ترسيخ وتدعيم (هالة الالتزام) في مجتمع المملكة أكبر منه في أي وقتٍ آخر.

من هنا، كنا ولا نزال نرى ردود الأفعال المتشنّجة والقاسية على بعض المظاهر الجديدة في مجتمع المملكة. فإن تظهر فتاةٌ سعوديةٌ واحدة دون حجاب هنا أو هناك أصبح قضيةً كبرى يكثر حولها الحوار وبشكلٍ حادٍ وعنيف في أغلب الأحيان. وأن يشارك شابٌ سعودي في مسابقةٍ فنيةٍ أصبح يثير ضجةً إعلاميةً وصخباً شديداً في بعض الأوساط. وأن تُشارك نساء الأعمال في محاضرةٍ أو مؤتمر إلى جانب الرجال صار ظاهرةَ تفسخٍ وانحلال وبدايةً لنهاية (الالتزام) في المجتمع السعودي. وأن تطالبَ كاتبةٌ سعودية مثقفة بمعاملتها كإنسان له حقوقه وواجباته القانونية والشرعية بعيداً عن ضبابية الأعراف التقليدية أصبح دعوةً للتغريب وللتفلت من الدين. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة التي يعرفها ويسمع عنها الجميع.

لسنا هنا في وارد الدعوة إلى رفض الحجاب. ولسنا بالتأكيد في وارد تشجيع الاشتراك في مسابقاتٍ نراها آخر ما يحتاج إليه مجتمعنا العربي في سلّم أولوياته الطويل، فضلاً عن تفاهتها وغَرقها في التقليد المبتذل وعدم قدرتها على امتلاك شيءٍ من عناصر الأصالة الثقافية حتى في مجالها. وإنما نريد التأكيد على أن من طبيعة الأمور في هذه الحياة وجود من يخرج على أي مقاييس سائدة في أي مجتمع بدرجةٍ أو بأخرى. من مجتمع الصحابة إلى مجتمع المملكة إلى أي مجتمعٍ آخر. لهذا فإن المبالغة في خلق وتأكيد (هالة الالتزام) بالشكل الذي يصرُّ عليه البعض في المملكة يناقض سنن الاجتماع البشري أولاً، فضلاً عن أنه سيكون سبباً لتناقضٍ وتوترٍ لا يريده أحدٌ في المجتمع.

وما يؤكد أهمية ذلك التحدي الذي بدأ يفرض نفسه على الجميع، العلماء والسلطة والمجتمع بجميع شرائحه، في السنوات الأخيرة وتمثّل، ويتمثّل في (قرار) الانفتاح المتزايد الذي تشهده المملكة على العالم. وهو الانفتاح الذي تزامنَ مع ثورة الاتصالات العالمية ومع سقوط حواجز المعلومات من جانب، ومع الوفرة المادية التي تساعد على استعمال أدوات ووسائل تلك الثورة، وتزيد بالتالي من درجة وتنوع التواصل مع العالم.

وما يعنيه هذا ببساطة أن درجة التقيّد بتلك المقاييس الصارمة التي وضعها البعض (للالتزام) ستنخفض تدريجياً وإن بشكل متزايدٍ وملحوظ. فهناك شرائح تزداد اتساعاً في المجتمع بدأت ترفض إلزامها بتلك المقاييس (ذات الخصوصية). وهي تريد التعبير عن التزامها بالشرع، ولكن في إطار الفُسحة الواسعة التي توفرها دوائر الاجتهاد والاختلاف في الرأي والأقوال عندما يتعلق الأمر بالفروع والجزئيات والمتغيرات.

الأكثر من ذلك، يجب أن يهيئ البعض أنفسهم لاختيارات جديدةٍ كلياً يقوم بها البعض من أبناء المملكة قد لا تدخل في إطار (الالتزام) بأي شكلٍ من الأشكال.. ورغم أن مجرد التفكير بمثل تلك الاحتمالات سيُصيب البعض بالهلع والرعب إلا أن الأمر لا يعدو كونه انتقالاً من الإصرار على وجود (هالة الالتزام) المُصطنعة إلى الحالة التي عاشت وتعيش عليها جميع المجتمعات.

سيكون مطلوباً بالتأكيد وجودُ حراك ثقافي واجتماعي متجدد ومبتكر ومنفتح للتعامل مع هذه الظواهر. ويجب أن يكون الحراك السياسي والقانوني والإداري الموازي مرناً وقادراً على استيعابها. لكن وجود تلك الظواهر لن تعني بالضرورة أن مجتمع المملكة سينهار وأن نسيجها الاجتماعي سيتفسّخ وأن هويتها ستضيع كما يهوّل البعض ممن لا يعيشون في عالم الواقع.

صحيفة المدينة 28/1/2007

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |