|
|
ولم يكد الأمر يتبلور أمامي على
هذه الصورة, من حيث اختياري لطريق العقل في مسار الثقافة
العربية محوراً أنتقي على أساسه ما أقرؤه, حتى أراد الله أن
تقفز إلى ذهني آية النور, مقرونة بتفسير الإمام الغزالي لها في
كتابه "مشكاة الأنوار" فكنت عندئذ كمن كان تائها في فلاة لا
تحددها معالم, وفجأة انفتح أمامه طريق السير واضحا مضيئا مفصل
المراحل والخطوات, تقول الآية الكريمة:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ
كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ
الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن
شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ
غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ
نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن
يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ}
"النور" في تأويل الإمام الغزالي لهذه
الآية الكريمة هو قوة الإدراك السليم, ولما كان مثل هذا
الإدراك إنما يتصاعد على درجات, جاء "النور" في الآية على
درجات تزداد قوة درجة فوق درجة, وهذه الدرجات في تعاقبها
بمثابة مراحل ينمو بها العقل ويكتمل, فأولى درجات الإدراك هي
مجرد إحساس الحاسة بما ينطبع عليها ويؤثر فيها, وهي الدرجة
التي تمثلها الآية بالمشكاة, والمشكاة كالنافذة مفتوحة تتلقى
الضوء, ثم تأتي الدرجة التالية التي من المصباح داخل المشكاة,
والمصباح هنا يرمز للعقل الذي يتلقى المؤثرات الخارجية فيحولها
إلى معان, وتبقى تلك المعاني مبهمة الحدود إلى أن تحيط الزجاجة
بالمصباح فتثبت شعلة الضوء وتظهر حدودها ويزداد لمعانها,
فالزجاجة هنا هي كالمخيلة عند الإنسان في عمليات الإدراك, تعمل
عمل القالب الذي تنصب فيه مادة لم تتشكل فتنخرط في شكل يرسم
حدودها, ولكن من أين تستمد المخيلة قوتها تلك؟ إنها تستمدها من
"شجرة مباركة" وهي ترمز هنا إلى وحي أو إلهام من الله سبحانه
وتعالى, وهنا ينتهي التسلسل لأن قوة الإلهام لا يُسأل عن
مصدرها, إذ هي كالزيتونة تضيء بزيتها وليست بحاجة إلى مصدر
خارج ذاتها.
من كتاب "قصة عقل"
      
ص21
من كتاب "قصة نفس"
إن مشكلة "الهوية" التي تحير الفلاسفة
لم تعد تحيرني, فالفلاسفة يصدعون رؤوسهم تصديعا في محاولة
الجواب على هذا السؤال: كيف يحتفظ الشخص بهوية واحدة مع اختلاف
ظروفه؟ إنه يكون صحيحا ويكون مريضا, ويكون طفلا ويكون رجلا,
ويكون شبعان ويكون جائعا, ويكون غضبان ويكون راضيا, ويكون
يقظان ويكون نائما, ومع هذا الاختلاف الشديد الذي يطرأ على
حالاته يظل إنسانا واحدا, فما الذي فيه يخلع عليه تلك
الوحدانية مع تعدد حالاته وأوضاعه؟
ص 31
من كتاب "قصة نفس"
فأراد أبي أن يزيد الصورة جلاء وسألني
سؤالا في الحساب, لكني لم أسرع له بالجواب, فضربني بكتاب ضخم
على رأسي, فقال صاحب الشارب الراقص وهو يضحك: (أهكذا تضربه
بالدنيا كلها على رأسه؟) ولم أفهم لهذه العبارة معنى ساعتئذ,
لكني أذكر كيف عز على نفسي أن أضرب بالدنيا كلها على رأسي,
فانفجرت باكيا, كما يحدث للطفل أن يبكي مؤخرا, فقد يصاب ويجرح
وهو لا يدري, حتى إذا ما نبهوه أن دماءه تسيل أخذ في البكاء.
ص43
من كتاب "قصة نفس"
وأما الحياة نفسها فهي – كما قال المعري
– عبث, لكني لا أعجب – كما يعجب المعري – من راغب في ازدياد من
ذلك العبث, لأني أعلم أن "الرغبات" شأنها شأن العقل في كونها
من صميم الحياة ولبها, فليس من حق العقل أن تكون له وحده
الكلمة فيما يُعمل وما لا يعمل, لأن "للرغبة" اللاعقلية
مجالها, وهاهو ذا المعري قد أملى عليه عقله أن الحياة عبث
كلها, وأنه إنما يعجب من راغب في ازدياد من ذلك العبث, فهل كف
المعري نفسه عن "الرغبة" في الزيادة؟
ص44
من كتاب "قصة نفس"
إنه لا تناقض بين أن يميل المرء بوجدانه
إلى شيء, وأن يخضعه بعد ذلك لتحليل العقل فلا يجده على ما كان
الوجدان قد صوره, وعلى ذلك فلا تناقض بين أن أختار لنفسي –
بالوجدان – أن أعيش منطويا على ذاتي, غاضا نظري عن الدنيا التي
حولي, وبين أن أرى بعقلي بعدئذ أن دفعة الحياة تقتضي أن نخرج
من ذواتنا إلى حيث الأشياء المادية المحسوسة, فكأنما أريد
الحالة الوجدانية لنفسي, واريد الحياة العقلية الثانية للناس.
ص45
من كتاب "قصة نفس"
هاأنذا أشهد الله والناس على أني ما
قرأت مرة عن المتصوفة في صدورهم عن عرض الحياة الدنيا, وفي
ازدرائهم لشهوات الجسد وإشباعها, إلا ووجدت لهم في أغوار نفسي
صدى عميقا, كأن هذه النفس قد أعدت وهيئت لمثل هذه الحياة
العزوف, ومع ذلك فإني أتمنى أي شيء لقومي إلا أن يسود فيهم
العزوف عن تيار الحياة الحسية المادية العملية العقلية
العلمية, التي تعنى كل العناية بتطبيقات العلوم على الزراعة
والصناعة وباصطناع القوة المادية في شتى مظاهرها, وهكذا ترى
وجداني على هوى وعقلي على هوى آخر, ولا تناقض بينهما ماداما
يجيئان على تعاقب.
ص48
من كتاب "قصة نفس"
ربما كان ذلك من أول الدروس التي لقنتنا
إياها الحياة الاجتماعية فيما ينبغي أن تكون عليه علاقة الفرد
بالمجتمع, فإما أن تكون متجانسا مع الآخرين إذا أعوزتك قوة
المقاومة, وإما أن تتصف بالجرأة المتبوعة بصفاقة الوجه إذا
أردت أن تتفرد وحدك بسلوك خاص, أما أن تتحدى المجتمع بالعصيان
الذي يأبى التجانس دون أن تكون مزودا بما يلزم هذا من سلاح
المقاومة, فذلك إنما يؤدي بك حتما إلى اختلال في اتزان عناصر
النفس, ومن ثم إلى صراع داخلي فانطواء.
ص92 , 93
من كتاب "قصة نفس"
فكرة العقاد عن الجمال بأنه هو الحرية,
بمعنى أن الشيء يكون جميلا بمقدار ما يتغلب على القيود وينساب
في حركة سهلة, كالنهر الجاري بالقياس إلى الماء الآسن, وكالبدن
الراقص بالقياس إلى البدن الثقيل البطيء, وكالزهرة الطبيعية
التي تشف عما يجري في أوراقها من عصارة الحياة بالقياس إلى
زهرة شبيهة بها صنعت من ورق وهكذا.
ص 59
من كتاب "قصة نفس"
لكنني كذلك لا أنسى قسوة مدرسينا في
المدرسة الابتدائية – من مصريين وسودانيين – قسوة جاوزت كل حد
معقول, وكانت لهم فيها فنون: كان مدرس الجغرافيا شيخا سودانيا,
وكان يطلب منا أن نحفظ خمسين صفحة من صفحات الكتاب بين ليلة
ويوم, بحيث نتلوها كما تتلى الفاتحة – على حد عبارته – وإلا
فسوطه القصير المخبأ في كم ردائه على استعداد أن يهوى فوق
الظهور, ولم يكن يكفيه أن تمد له الأكف ليضربها بالمسطرة – وهي
أداة العقاب – بل كان يضفر قلما في أصابع اليد, ثم يضرب على
ظهر الكف لا على بطنها, وبسن المسطرة لا بعرضها, وكانت العقوبة
عند مدرس اللغة العربية جلوسا على الركبتين فوق البلاط, وقد لا
يكتفي بذلك فيجعل حصاة تحت كل ركبة,ثم قد يضيف إلى هذا وذاك
رفع الذراعين إلى أعلى, وأما ناظر المدرسة فكانت طريقته أن
يستعين بمدرس الألعاب الرياضية و"جلْدته" فيجيء فراشان ويشدان
المذنب المعاقب على كرسي من الخيزران, فيثني المعاقب فوق ظهر
الكرسي, وكل فراش ممسك بذراع, ومدرس الألعاب يضرب بالجلدة على
مؤخرة الجسم عدد الجلدات التي يقرره حضرة الناظر.
من
كتاب "قصة نفس" |