الصفحة الرئيسية
  
مُـخـتـارات البطولة وضيعتها
 

 

 

سيداتي و سادتي قراء الغابة نيوز

في أول تقاريري مراسلاً للغابة نيوز أحب أن أعرفكم بنفسي، أنا نقار الخشب، و سأكون مراسلاً للغابة من أي مكان فيه شجر باسق، فأنا أتمتع بميزة أتفوق  بها على بقية الطيور.  إذ إضافة إلى قدرتي على الطيران فإنه يكفيني أن أقف على أي شجرة تبلغ من العمر سبعاً أو سبعين أو سبعمائة عام و أنقر جذعها دقاتي السرية التسعة عشر حتى أنتقل إلى أي شجرة في العالم، و من هناك أرسل بتقاريري التي أتمنى أن تنال رضاكم...

اليوم أكتب إليكم من فلسطين، لا لا، لا أقصد فلسطيننا العربية، بل فلسطين، تلك الضيعة الأمريكية الصغيرة شرق تكساس في غابات غرب فرجينيا التي تحتفل يوم غد الرابع من تموز بالعيد الوطني الأمريكي، عيد الاستقلال.

تلك الضيعة التي قفزت إلى نشرات الأخبار منذ شباط الماضي، ليكون هذا موضع فخر سكانها الثمانية عشر ألفاً و الذين تبلغ نسبة البطالة بينهم 15% مما يجعل خمس السكان تحت خط الفقر، أما سبب شهرتها المفاجئة فقد كان تحطم مكوك الفضاء كولومبيا في الأول من شباط في السماء فوق فلسطين هذه التي تلقت أجزاء كثيرة من الحطام، كان منها شريط الفيديو الذي صور اللحظات الأخيرة في حياة رواد الفضاء في ذلك المكوك العريق، و بالتالي فقد كانت قلب حملات البحث التي امتدت على مساحة تزيد عن المليوني فدان تم تفتيشها شبراً شبراً مما أسفر عن تجميع 84 ألف قطعة من المكوك لا تمثل إلا 40% من وزنه الأصلي ، و قبل أن تأفل الأضواء عن المدينة مع انتهاء شهر نيسان الذي كان الموعد الرسمي لانتهاء تلك الحملة،  كانت مدينة فلسطين موعودة بشهرة جديدة  ومن نوع مختلف، تلك الشهرة التي أتت بها قصة بنت الضيعة جيسيكا لينش.

و جيسيكا هذه، كما تعرفون أعزائي، هي فتاة أمريكية عشرينية جميلة، اختارت أن تسير على درب شقيقيها الذين اختارا التطوع في الجيش وسيلة لإيجاد عمل في هذه الضيعة التي تعاني من البطالة، فيصبح خيار التطوع في الجيش هو الأمثل، إما من أجل وظيفة مستقرة مجزية كما أخوتها، أو بغية الحصول على منحة دراسية يكون التطوع في الجيش أسهل الطرق للحصول عليها كما هي حالة جيسيكا. و لكن ما ميز جيسيكا عن غيرها أنها كانت هناك، في بلاد الرافدين و أنها أسرت و حررت فشغلت صورها و أخبار بطولاتها و إنقاذها الأسطوريين شاشات التلفزة و صفحات الجرائد في لحظة كان الهجوم الأمريكي فيها يعاني من ضربات أسود العراق الموجعة.

وقتها، و ما أن توفرت لدى مسؤولي القيادة العسكرية أخبار عن عملية التحرير هذه حتى ملئوا الدنيا صراخاً، ووقف الأسمر فنسنت بروكس في قطر مفاخراً بتلك العملية التي ضحى فيها جنود بأرواحهم وفاء للعهد بأن لا يتركوا رفيق سلاح خلفهم، و ردد البنتاغون و من بعده الصحافة الأمريكية أن البطلة جيسيكا هذه قاتلت كاللبوة الجريحة  مهاجميها العراقيين فأصابت وقتلت حتى نفذت ذخيرتها فجرحتها رصاصات العراقيين  و أخذوها أسيرة رغم أنها كانت تقاتل حتى الموت، كما أن من أسرها أساء معاملتها حتى أنقذها رفاقها في عملية بطولية و مأثرة مصورة غطت على مقتل 11 من زملائها و أسر خمسة آخرين.  أما هنا في فلسطين الأمريكية فقد هجمت كاميرات التلفزة و

ميكروفونات الإذاعة و مسجلات الصحفيين لتنقل للعالم أجمع من مهد البطلة هذه قصة بطولة فريدة أين منها أفلام هوليود، فعلاً لقد ولدت بطلة، و بعد أن كان أهالي فلسطين الصغيرة هذه ملتصقين بوسائل الإعلام ينتظرون أخباراً عن فقيدة جيرانهم و بعد أن زينوا كل الأشجار و المداخل بشرائط صفر و طغت أصوات صلواتهم و تعزيتهم لعائلة جيسيكا على كل الأنشطة الاجتماعية في البلدة، فقد وصلت أخبار التحرير هذه إليهم، فانطلقت سيارة الإطفاء تسابق الريح في طرقات البلدة معلنة البشارة بالزمامير و الأضواء، و تقاطر أكثر من ألف متطوع على بيت أهلها يعرضون المساعدة في التحضير لعودتها من المركز الطبي في واشنطن الذي نقلت إليه حتى تتعافى منذ منتصف نيسان قادمة

إليه من مشفى ألماني نقلت إليه بعد مشفى  الناصرية، و دمعت كل عيون البلدة فخراً بتلك الجميلة البطلة.

 

و بديهي ألا تمر تلك الفرصة الإعلامية الذهبية مرور الكرام، فقد تقاطرت وسائل الإعلام لتستطيع نهش ما تستطيع نهشه من كعكة البطولة هذه، فالمحامي العراقي محمد عودة و الذي قيل أنه قد أرشد القوات الأمريكية مخاطراً بحياته قد حصل إضافة الى اللجوء السياسي في الولايات المتحدة على عقد بنصف مليون دولار ليقص القصة في كتاب سينشر في الخريف القادم، أما على جيسيكا و عائلتها  فقد تهافتت وسائل الإعلام دون أن تظفر واحدة منها بالنصر حتى الآن، و إن كانت السي بي اس قد عرضت مؤخراً حزمة من المغريات، إذ إضافة إلى المقابلة تريد توقيع عقد عن كتاب و آخر عن فيلم سينمائي وثالث تقوم فيه جيسيكا بالظهور مقدمة لبرنامج في قناة الام تي في و رابع تقدم فيه حفلاً موسيقياً في بلدة فلسطين ذاتها (يعني خمسة بواحد) و الظاهر أن هذه المنافسة المهنية هي التي دفعت الواشنطن بوست لتصحح من المبالغات الواردة في تقاريرها الأولية لتصدر الأسبوع الماضي، و بعد أن استنفذت القصة أغراضها في إثارة الشعور الوطني لدى الأمريكيين وقت الحرب، مقالة تؤكد فيها أن الجروح لم تكن إلا كسوراً نجمت عن ارتطام المركبة التي كانت تقلها بشاحنة أمريكية، و أن سلاحها الام 16 قد استعصى عليها فلم تستطع إطلاق رصاصة واحدة على مهاجميها، و أن البطولة في إنقاذها لم تكن واردة في مستشفى كانت فيه بين الأطباء دون أي حراسة و كانت على سرير المستشفى الوحيد و في أفضل غرفه التي كسر الجنود بابها عند (التحرير) المزعوم قبل أن تمتد أيدي العابثين و اللصوص إليها في الفوضى العارمة التي حصلت بعدئذ.

كل هذا يعلمه قراء العربية من وقتها، أما قراء الواشنطن بوست فلم يعرفوا بذلك إلا في الأسبوعين الأخيرين رغم ان والد جيسيكا صرح بخلوها من جروح الرصاص و الطعنات منذ أن اتصل بالأطباء أول مرة في الثاني من نيسان في ظل ردود "لا تعليق" من الجيش الأمريكي! أما اليوم فإن العائلة و الجيش متفقان على أنها لا تذكر شيئاً منذ سقوطها مغشية عليها و حتى وصولها الى السرير على المستشفى،و بين ذرائع الذاكرة و الخصوصية و الأسرار العسكرية تتوه الحقيقة و ينتظر جيسيكا مستقبل حافل بالدولارات لن تخربه بالتأكيد بالاعتراف بالحقيقة، إذ يكفيها الصمت عن تلك الفترة متذرعة بفقدان الذاكرة حتى يزداد حماس وسائل الإعلام و يرتفع السعر و يغنم الجميع. و الجميع هنا ليسوا بالتأكيد أهل العراق الذين انهالت عليهم القنابل فلم تعرف المؤودة فيهم بأي ذنب قتلت، أما هنا في فلسطين الأمريكية فما تزال مخططات تكريم جيسيكا البطلة الأمريكية المغوارة تمضي على قدم و ساق، من اقتراح بطبع قمصان تحمل اسمها، أو إقامة حفلات عشاء خيرية و ها أنا ذا أرى من السماء تلك اللافتة التي ترحب بزوار البلدة مرحباً بكم في موطن جيسيكا لينش، الأسيرة السابقة" و أستطيع سماع عامل متجر التذكارات الوحيد في البلدة يؤكد لمراسل صحيفة الاندبندنت أن منتقدي

جيسيكا ما هم إلا من يغير من شهرتها، أما أختها الصغرى براندي  فأستطيع سماعها تستعد للمشاركة مع عمدة تشارلستون و غيره من المسؤولين الكبار نيابة عن أختها في احتفالات  عيد الاستقلال غداً  مجاهرة باستعدادها للانضمام الى الجيش بعد أشهر قليلة، اما بقية البيوت فهي تستعد للمهرجان

الكبير، مهرجان عيد الاستقلال غداً و بعده، ما أجملها من مدينة صغيرة ببيوتها الفيكتورية الطراز، و ما أسوأ ألا يجد أبناءها الفقراء طريقاً للحياة الكريمة و التعلم إلا من خلال التطوع في الجيش، و هم في ذلك ليسوا الوحيدين إذ سمعت من زائر لفلسطين هذه أن احتفالات يوم الاستقلال غداً في قريته "فريدريك" التي لا يزيد عدد سكانها عن الثلاثمائة ستتميز بطيران منخفض لطائرة عسكرية تحيي أهل تلك الضيعة التي يبلغ عدد المتطوعين في الجيش منها 26 أي ما يقارب التسعة بالمائة! و هي نسبة تفوق بكثير نسبة المتطوعين من ابناء الأثرياء في هذا الجيش الذي يقاتل دون قضية إلا مصلحة صانعي القرار، الأثرياء الذين تخولهم ثروتهم التهرب من الخدمة العسكرية أبناءهم وقودها.

جيسيكا بطلة أمريكا حقاً، فهي تشبه بلادها، أما راشيل كوري التي قضت تحت جرافات إسرائيلية و هي تصد بجسدها قوى تريد هدم المنازل فما من يسال عنها اليوم، و قد سمعت و أنا على جذع زيتونة في ارض فلسطين العربية الأسبو الماضي أن الجيش الإسرائيلي أعلن ان نتائج التحقيق دلت أن راشيل قضت تحت أنقاض بناء منهار، و أن الجرافة لم تدهسها بكل صفاقة أمام عدسات الكاميرات و العالم أجمع. ضاعت تلك الحقيقة، أما كذبة نيسان، كذبة جيسيكا فقد أضحت أقوى من الحقيقة ذاتها...

احمرت شمس الغروب، و اشتقت لبلادي العربية، و ها أنا أعتلي جذع الشجرة السبعينية القريبة، و قبل أن أنقر نقرات العودة أهديكم أحر التحيات، وسلامات.... .... .... .... ...

مجهول المصدر

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |