الصفحة الرئيسية
  
مُـخـتـارات إلى أين يهرب العربي؟
 

د. وائل مرزا

 

 يحاول العربي اليوم أن يهرب من قَدَره بأي طريقة، فلا يجد نفسه إلا في مواجهة ذلك القدر.

يهرب العربي من مأزق التاريخ فيجد نفسه أمام مأزق الجغرافيا.

يهرب من تخبط السياسة فيجد نفسه أمام  تخبط الاقتصاد.

يهرب من بؤس التشدد فيجد نفسه أمام خيبة الاعتدال (كما قال وحيد عبد المجيد في مقال له منذ أيام).

يهرب من اهتراء الثقافة فيجد نفسه أمام اهتراء الفن والأدب والرياضة.

يهرب من حصار الداخل فيجد أمامه حصاراً خارجياً أدهى وأمرّ.

يهرب العربي من الأخبار والانقسامات والهموم فلا يجد أمامه سوى المزيد منها.

يهرب من أخبار العراق فتحاصره أخبار لبنان.

يهرب من الانقسام الطائفي والمذهبي في لبنان فيحاصره الانقسام السياسي والعقائدي في فلسطين.

يهرب من همّ لبنان فيجد أمامه همّ دارفور وهمّ الصومال.

يُقال له أن الحرب الأهلية في العراق خطٌ أحمر، فيمضي كل شيء في اتجاه الحرب الأهلية.

يُقال له بأن السلم الأهلي في لبنان خطٌ أحمر، فيبدو الجميع مشغولين حصراً بتخريب ذلك السلم.

يُقال له بأن الدم الفلسطيني خطٌ أحمر في فلسطين، فيسيل ذلك الدم بأيدي الفلسطينيين في شوارع الضفة وغزة.

يُقال له بأن الأمن القومي العربي خطٌ أحمر، فيرى ذلك الأمن ممزق الأشلاء كسيحاً مكشوفاً يستجدي غطاءً من هنا وغطاءً من هناك.

يسدّ أذنيه ويحاول أن يهرب من كل الشعارات وكل المقولات. يدرك بأن كل مقولةٍ ستُصبح لعنةً على قائليها. وأن كل شعارٍ سيسقط بأيدي حامليه.

يرى مستشار  الرئيس السوداني يتوسّط لدى الفرقاء اللبنانيين فيحكّ رأسه ويتخيل بقية المشهد السوريالي: لماذا لا يتوسط مستشار الرئيس العراقي لدى الفرقاء (الدارفوريين).. ولماذا لا يتوسط مستشار الرئيس اللبناني لدى الفرقاء العراقيين؟!..

يهرب من خيالاته ومن مشاهد (الوسطاء) الذين يملؤون الفضاء العربي ومن أخبار (المبادرات) التي تتوالد فيه كالأرانب.

يسمع بأن بعض رجال الإدارة الأمريكية بدأوا يتحدثون عن تكاثر أفراد (القاعدة) في الصومال، فيرى ملامح (السيناريو) الجديد لإنقاذ ماء وجه تلك الإدارة. يمسك قلبه ويركض هاربا خوفاً من القادم المجهول المعلوم.

يرى مشهد شباب (الإخوان) يستعرضون ملثّمين فنون القتال الفردي في جامعة الأزهر. فيدرك خطورة الرسالة التي يُرسلها النظام الرسمي العربي لهؤلاء عندما يسدّ في وجههم كل الأبواب والنوافذ، ثم يتركهم أمام واقع عملي يقول بأن لغة القوة هي اليوم اللغةُ الوحيدة المفهومة. ويدرك قبل ذلك وبعده مدى اهتراء ثقافة المجتمع المدني. وعجز منظماته وأحزابه عن تقديم خطابٍ بديل يستوعب طاقات الشباب.

يترحم على مصر المحروسة ثم يسحب كلامه ويهرب من أفكاره خشية أن تنسحب الرحمة بعدها على باقي بلاد العرب.

يسأم من السياسة بكل قضّها وقضيضها ويحاول أن يهرب إلى الاقتصاد فيرى خطوطاً حمراء تتهاوى واحدةً تلو الأخرى في أسواق الأسهم.

يندم على اليوم الذي فكّر فيه أن بإمكانه أن يصبح (هاموراً) ويحاول أن يهرب إلى العمل والإنتاج. فيسقط في فخ التضارب بين القوانين. يهرب من الفخ فيقع في حفرة غياب التخطيط. يخرج من الحفرة فيبتلعه وادي المحسوبيات والفساد.

يهرب من الاقتصاد إلى الفن فيجد نفسه أمام خيارٍ بين المؤدي (شعبولا)

والمؤدية (هيفاء). أو أمام خيار أوسع بين فيلم (بُوحَه) وفيلم (معلش إحنا بنتبهدل) وفيلم (يا أنا ياخالتي)!..

يسحب نفسه سحباً هارباً من الطرب العربي ومن الفن العربي السابع ليجلس أمام الفضائيات محاولاً أن ينسى همّه وغمّه. يضغط أزرار (الريموت كونترول) قافزاً من محطةٍ إلى أخرى.

يكاد يُصابُ بالدوار وهو ينظر إلى تلك الخطوط التي تزحف وتتدلى كالأفاعي على الشاشة من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين ومن الأعلى إلى الأسفل. خطوطٌ صفراء وخضراء وحمراء تحمل العجيب الغريب من الأسماء والكلمات والمصطلحات والرموز.

يهرب من فضائيات التنجيم والسحر والرسائل النصية والزواج والفيديو كليب فيلمح برنامجاً اسمه (التحدي)! تجذب انتباهه ضخامةُ الاسم ويجد فِرَقاً تمثل دول العالم العربي يتحدى بعضها الآخر فيكاد يبتسم. يجلس دقائق فتولدُ البسمة ميتّةً بعد أن يكتشف أن التحدي يدور ويدور ويدور حول أنواع الخضار والفاكهة التي تُبعد النمل والفئران، وتمنع التعفّن والعَطَن. وليكتشف أن (السبيرتو) الذي يرد في كل سؤالٍ آخر عنصرٌ مهمٌ من عناصر الحياة العربية غاب عنه كل هذه الأيام!..

يتمنى لو كان بالإمكان استخدام الباذنجان والتفاح والبطاطا (وفي قولٍ البطاطس) لمعالجة التعفّن والعطن في الحياة الثقافية والسياسية. أو استعمال (السبيرتو) لتطهير وتعقيم جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية. لكنه سرعان مايهرب من ظنونه وأوهامه مدركاً أنه عاد ليفكر في السياسة والاقتصاد من جديد.

يلملم كل خيباته وآلامه ومواجعه ويرمي بها في ساحة الرياضة. فيرى نصف العرب غير قادرين على أن ينالوا من الميداليات ما ناله لاعبو رياضةٍ صينيةٍ واحدة في (الآسياد).

يخطر له خاطر بأن يهرب إلى الصين. لكنه سرعان مايجد أن الدنيا بأسرها سبقتهُ إلى هناك.

يجلس بعد كل هذا متسمراً في مكانه. غارقاً في لحظة زمانه. واضعاً رأسه بين كفيه. مرسلاً بصره ليحدق في الأفق البعيد.

وفجأةً، يكتشف الإنسان العربي الحقيقة: يكتشف أنه يفكّر في المربّع الخاطىء. يكتشف أن هروبه الكبير هو في حدّ ذاته سببٌ من أسباب المشكلة. يكتشف أن استقالته من صناعة واقعه جعلت ذلك الواقع يصل إلى ما وصلَ إليه. وأنه هو، هو بنفسه، الداءُ والدواء..

صحيفة المدينة السعودية 24/12/2006

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |