الصفحة الرئيسية
  
مُـخـتـارات المقررات الدراسية الدينية.. أين الخلل؟
 

 إبراهيم السكران وعبد العزيز القاسم

 

المدخل

 الخطاب الديني الوظيفة و الأهداف

يشكل الدين المكون الأساسي للشخصية ، و تتميز الشخصية الدينية للمسلم بعمق التكوين و امتداده ، فالإسلام يخاطب المسلم برؤية تتناول الجوانب الأساسية للحياة و عالم الغيب و العبادات و الآداب ، الأمر الذي أدى إلى عمق تأثير الخطاب الديني في حياة المسلمين ، بيد أن هذا الخطاب قد يتعرض لآفات تنحرف به عن مساره المرسوم له شرعا ، فقد يأخذ التدين منحى انعزاليا كما حدث لكثير من تيارات التربية و السلوك ، و قد تذهب التربية الدينية نحو تعبئة الإنسان في حركة ثورية عارمة كما فعلت تيارات الخوارج ، و قد يكون الخلل أقل من ذلك كتغليب ظاهر النص على معناه و مقاصده كما نحت الظاهرية ، و قد يبالغ في تغليب المعاني حتى تتناقض مع صريح النصوص كما جرى في التفسير الإشاري و التأويلي للدين الذي ذهبت إليه طوائف من السلوكيين و الفلاسفة .

إن تغليب أحد جوانب النص يؤدي إلى إهمال جوانبه الأخرى و يترتب على ذلك تشويه معنى الدين و سلوك المؤمنين بهذا التفسير المتحيز لبعض النصوص ، من هنا تأتي أهمية مراجعة توازن الخطاب الديني لإعادته نحو استيعاب مجمل النصوص وفقا لقيم الدين الأساسية و مقاصده الكبرى ، حتى لا تتحول المعارك والانفعالات التي أنتجت تفسيرا متحيزا للدين إلى واقع ديني متحيز إلى بعض النصوص على حساب بعض .

لقد ركزنا في مراجعتنا لمناهج العلوم الشرعية في التعليم العام للبنين على مجموعة من وسائل التقويم الفقهية منها:

أولا :قراءة استيعاب مجمل النصوص في القواعد التي يقررها المنهج خاصة في قضايا العلاقة بالآخرين ، بحيث يقرر المنهج القواعد التي تجتمع بها دلالات النصوص بدلا من الانحياز نحو معنى من المعاني الشرعية و إهمال ما يتعلق به من النصوص و المعاني الشرعية مثل التوازن بين موالاة المسلمين و بين تصحيح أخطائهم ، و التوازن بين التعلق الوثني بالدنيا و بين عمارتها العمارة الشرعية .

ثانيا : مراجعة مدى مراعاة المنهج لتدرج أهمية و أولوية الكليات الشرعية ، فتقرير عصمة الدماء مقدم على بيان دقائق العقوبات التعزيرية التراثية التي ذكرها بعض العلماء في حق المخالفين في المسائل الكلامية الشائكة ، و الخلل في مراعاة الأولويات يؤدي إلى خلق بيئة تضطرب فيها الحقوق الأساسية تحت ضغط كثرة الاستثناءات الفرعية القليلة و النادرة و يفتح أبواب الاستخفاف بالدماء و الأعراض و غيرها من الحقوق .

ثالثا : قراءة مدى عناية المنهج بتقرير مبادئ العدل خاصة في الحقوق الشرعية الأساسية للإنسان في التعامل مع الآخرين من المسلمين و أهل الكتاب و غيرهم ، ذلك أن العدل هو أساس العلاقة مع الناس بل هو مقصد الشريعة الأكبر قال تعالى : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط ) ، فإذا تحدث المنهج عن أخطاء المخالفين قبل تقرير قواعد العدل معهم أوشك ذلك أن يخلق سلوكا عدوانيا منفلتا من قواعد العدل التي قامت عليها الشريعة و الرسالات .

رابعا : قراءة عناية المنهج بتقرير القواعد الشرعية للتعامل مع الحضارات و المعارف من حيث ضبط قواعد اشتراك الناس في المباح و المعرفة و استدماج النافع المفيد منها ما لم يناقض أصول الشرع و مقاصده ، و رد ما يناقض أصول الشريعة و مقاصدها ، و مراعاة القواعد التي تضيء للطالب منهجية التعامل مع الحضارة المعاصرة دون توتر و قلق من جهة و دون خضوع لمنطلقاتها المناقضة للشريعة كتقديس المال ، و تجاهل مؤسسة الأسرة ..

خامسا : قراءة عناية المنهج بالمشاركة المدنية التي تقدم للمتلقي قنوات التعبير السلمي البناء عن قناعاته و مصالحه ، بحيث لا يتركز المنهج على تكوين قناعة المتلقي بالانفصال عن مؤسسات مجتمعه ، الأمر الذي يؤدي إلى أن ينفرد بمبادرات خارج قنوات المجتمع المشروعة .

سادسا : مراجعة مدى وضوح المنهج في تكوين توازن للمتلقي بين توظيف وسائل البناء المدنية في تحقيق الأهداف ، و مراجعة مدى تركيز المقررات في تحقيق الأهداف على المواجهة بمختلف وسائلها .

إن إنجاز تقويم المنهج من خلال هذه المعايير يصعب تنفيذه بدرجة متكاملة بيد أننا بذلنا من الجهد و الوقت في قراءة و تحليل مكونات المنهج ما مكننا من الوصول إلى رؤية واضحة معززة بالنماذج و الأمثلة ، و قد حاولنا تجاهل الخلل المنفرد لنركز على ما يمكن أن نسميه بالنظريات التي تحرك عناصر المنهج بحيث نستخلص النظرية ثم نقدم نماذج لتطبيقاتها ؛ ذلك أن الخلل في الرؤية أكبر خطرا من الأخطاء الجزئية العارضة ، بل إن الرؤية الكلية هي التي يخرج بها الطالب في نهاية المطاف من قراءاته الدينية في مناهج التعليم ، و هذا يوجب على الباحثين إعادة قراءة المقررات لضمان تحقيقها للتوازن الشرعي في شخصية الطالب ، بحيث تتزن لديه التكاليف الشرعية ، و تنضبط الحقوق ، و تتضح له رؤية دينية سوية متسقة مع أصول الشريعة ومقاصدها .

إن هذا العمل – مراجعة المقررات وضبطها بأصول الشرع يأتي في ظروف دقيقه على رأسها حملات الإعلام الغربي ضد بلادنا ، وربما أوضحت هذه الدراسة أن تحميل المناهج الدينية مسئولية تحريك العنف المسلح ضد الغرب أمر مبالغ فيه إذ لا يمكن أن تكون السبب الأساسي ، ذلك أن أخطاء المناهج الحالية تؤذي علاقة المسلمين بعضهم ببعض أكثر من تحريضها على غير المسلمين ، فنحن بحاجة للتصحيح لمصلحتنا أكثر من حاجتنا لتحقيق ما يغضب مراكز القوى، والواجب ألا نستنكف عن أصلاح أخطائنا لمجرد دعوة غيرنا إلى بعض ذلك ، وهذا المعنى مقرر في كتاب الله تعالي حين استنكرا لكفار على المسلمين القتال في الشهر الحرام فأقرهم القرآن على إنكار الخطأ وأمر المسلمين بتجنبه ، والمهم هو أن يتركز الإصلاح لتحقيق مقاصد الشريعة وحماية مصالحنا.

لقد بينت لنا دراسة المقررات أن اضطرابا شديدا يموج بمحتوياتها ، في قضايا جوهرية تمس طمأنينة الطالب ، و حقوق المسلمين ، و أصول التعامل مع غير المسلمين من أهل الكتاب و المشركين ، و قواعد التعامل مع المعارف و الحضارات ، و هو اضطراب بيخالف أصول الشريعة   ، بيد أنه لا يبلغ المدى الذي ادعته حملات وسائل الأعلام الغربية لكن ذلك لا يمنع من الإقرار بالأخطاء والعمل على إصلاحها و هذا ما سنوضحه بإيجاز في صفحات هذه الورقة ، و سنقترح منهجية معالجة هذا الخلل  .  

  و الله الموفق

إبراهيم السكران                                             عبد العزيز القاسم

 

                                    

الفصل الاول :

الموقف من المخالف

 بين

العدل والتعبئة


 

إن التأسيس لاجتماع إنساني مسلم مستقر يتطلب البدء بالمناهج الدينية لتتضمن تأصيلا  مسئولا للقواعد الشرعية الحاكمة لقضايا الاختلاف ، مثل : كونية الاختلاف الإنساني ، وتعميق الإيمان بالتعددية المشروعة أو المعذورة داخل دائرة الإسلام ، و ترسيخ التواضع للحق و نبذ الزهو المذهبي ، وتكريس القيم الشرعية للتعايش والمحبة والمودة ، و تقرير أخلاقيات إنصاف المخالف و اجتناب بخسه حقه أو غمطه ما معه من الصواب ، و تعليم النشء و تدريبهم على مراعاة معيار القدرة والوسع الشرعي في الاجتهاد ، و بيان أعذار المجتهدين و غير ذلك من قضايا الاختلاف المقررة في الكتاب و السنة و فقه الأمة .

بيد أن واقع مقرراتنا المدرسية لم تنجح في تقديم رؤية متسقة في هذه القضايا ، بل كان الاضطراب و التناقض هو السائد في ما عرضته المقررات من أصول و تعليمات ، فتارة يتحدث المقرر بدقة فقهية عن الآداب الإسلامية الرفيعة وأخلاقيات التعامل ، خاصة في سياقات التقرير النظري ، لكنه يعود ليقدم مواقف مناقضة وموهمة في المستوى التطبيقي في حديثه عن التعامل مع المخالفين ، وهذا الاضطراب يوقع الطالب في مأزق يصعب معه تكوين موقف فقهي دقيق لدى الطالب يتسق مع القواعد الشرعية ، الأمر الذي يؤدي إلى اضطراب التكوين الأخلاقي للطالب في موقفه من المخالف ، و تكاد تختزل قواعد الأخلاق لتتحول إلى امتيازات خاصة تقدم للموافق ، الذي تركت المقررات تحديد أوصافه لمعايير غامضة مضطربة كما سيأتي.

 قدمت المقررات نصوصا منضبطة فقهيا تعرض بعض الآداب العامة وأخلاقيات التعامل ، في المستوى النظري ، كما يؤكد المقرر مثلا على المبادئ الأخلاقية التالية :

- (عناية الإسلام بتعليم أبنائه الآداب الإسلامية ، والأخلاق الرفيعة ) مقرر الحديث-الصف الثالث متوسط- 69

- (وجوب تقوية الروابط بين المسلمين) مقرر الحديث-الصف الثاني متوسط-92.

- (طلاقة الوجه والابتسامة من المعروف والخير ، فالمسلم لا يبخل بها على إخوانه المسلمين) مقرر الحديث-الصف الثاني متوسط- 103 .

- (ترابط المسلمين وتماسكهم ، و إزالة أسباب الخلاف بينهم ، من المعروف) مقرر الحديث-الصف الثاني متوسط- 103 .

- (حرمة دم المسلم وعرضه) مقرر الحديث-الصف الأول متوسط -82 .

 - (التحذير الشديد من تكفير المسلم بدون سبب يكفره)مقرر الحديث-الصف الأول متوسط -83 .

- (على المسلم أن ينصح أخاه المسلم إذا رأى منه أمرا يخل بالدين ، بدل أن يسارع إلى رميه بالكفر) مقرر الحديث-الصف الأول متوسط -84 .

- (تكفير المسلم أمر عظيم وخطير ، لا يجوز الإقدام عليه إلا إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع) مقرر التوحيد-الصف الثالث ثانوي- القسم الشرعي -32 .

 

- (التكفير حق لله ، فلا نكفر إلا من كفره الله ورسوله) مقرر التوحيد-الصف الثالث ثانوي- القسم الشرعي -33 .

هذه المبادئ الأخلاقية الشرعية النبيلة تدفع باتجاه التأسيس لتعظيم حقوق المخالف ، إلا أن المقرر يعود ليقدم ما يكاد يناقض هذه المبادئ ، و يتعارض مع ما قررته قواعد الشريعة حين يتعامل مع المخالفين من علماء الأمة و أتباعهم ، و يأتي التعارض حين يقدم المقرر أحكاما مجملة موهمة لا تتفق مع القواعد الفقهية المقررة في الشريعة ، وتؤدي في النهاية إلى إرباك الطالب المتلقي و هو في حداثة سنة ، وغيابه عن معارك التراث التاريخية ، التي  يعنى بها المتخصصون دون غيرهم من جمهور الأمة ، إن تقديم المقررات نصوصا تدفع باتجاه تعبئة الطالب في حداثة سنه ضد المخالف المجهول الغائب عنه بدل تأكيد روابط الإسلام المتينة و حقوق المسلمين العامة ، و تقرير قواعد احترام الاجتهاد ، و آداب الحوار ، و ظروف الاختلاف التي تستوجب رفع الملام عن الأئمة الأعلام – كما عبر ابن تيمية – وسنعرض بعض نصوص المقررات المناقضة لقواعد حقوق المسلمين الموهمة لخلاف ما تقرره الشريعة و من ذلك :

(الفرق المخالفة من جهمية ومعتزلة وأشاعرة وصوفية حيث قلدوا من قبلهم من أئمة الضلال، فضلوا وانحرفوا)([1]) ، فهذا النص يختزل أسباب الاختلاف في تقليد أئمة الضلال و قد خلط فئات لا يجوز بحال التسوية بينهم و وصمهم بالضلال و الانحراف في مادة تقدم لصغار الطلاب .

ويؤكد أوصاف الضلال والانحراف فيقول:

(قول الفرق الضالة.. المنحرفون عن منهج السلف) .

ثم يذكر منهم :

(الأشاعرة، والماتريدية)([2])

ويقدم للطالب قواعد تكفيرية مجملة عن الأشاعرة و الماتريدية ، وكافة المخالفين في تفسير نصوص الصفات الإلهية كقوله:

(من نفى ما وصف الله به نفسه، أو  وصفه به رسوله، فقد كفر)([3]) ، ففي هذا النص عدوان على جمهور علماء الأمة و أتباعهم إذ لا قائل بالتكفير في هذا المقام  بند الأطلاق ، و ما علاقة الطالب حديث السن بدقائق أحكام التكفير هذه ، ثم أليس في هذه النصوص تهوين لقواعد تعظيم التكفير و عظيم خطره .

والمقرر يعتبر التحريف كفراً، ومع ذلك يجعل تأويلات الأشاعرة تحريفاً كما يقول:

 (التحريف اللفظي يكون بتغيير الكلمة بزيادة أو تغيير شكل كتحريف الأشاعرة..) ([4]).

ويقول واصفا المخالف الإسلامي بالإلحاد:

(الإلحاد في أسماء الله..[مثل] أن ينكر شيئاً منها، أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام، كما فعل أهل التعطيل..)([5]).

(تأويل أسماء الله وصفاته عن ظاهرها، ونفي ما تدل عليه من المعاني الصحيحة، إلحاد فيها)([6]) ، و في إطلاق مصطلح الإلحاد في هذا المقام بهذا الإجمال ما يؤدي إلى تهوين حقوق المخالف و تصعيد للموقف الفقهي معه دون انضباط علمي .

وتزداد حدة التصعيد مع أقوال المخالفين فيقول:

(من رد شيئاً من نصوص الصفات، أو استنكره بعد صحته، فهو من الهالكين) ([7]).

ويعرض بعض ممارسات المسلمين بمبالغة و تهويل تنطلق بالأخطاء إلى مستويات مشبعة بالتضليل من الطبيعي أن تربك الانضباط الشرعي للطالب مع المخالفين فيقول مثلا:

  (الاحتفال بمناسبة المولد النبوي

 وهو تشبه بالنصارى..

 فيحتفل جهلة المسلمين أو العلماء المضلون..

ويحضر جموع كثيرة من دهماء الناس وعوامهم،

.. ولا يخلو من الشركيات والمنكرات..

 وقد يكون فيها اختلاط الرجال والنساء مما يسبب الفتنة ويجر إلى الوقوع في الفواحش..

 وهو بدعة أحدثها البطالون

 وشهوة نفس اغتنى لها الأكالون) ([8]).

وبعد أن يصنف المقرر هؤلاء المخالفين في خانة المبتدعين دون تفصيل أو تدقيق ، يقدم قواعد للتعامل معهم تتعارض مع القواعد الشرعية للتعامل مع المخالف التي سبق أن عرض جانباً منها فيقول:

 (تحرم زيارة المبتدع، ومجالسته)([9]).

ويضع المقرر منهج المفاصلة و العزلة فيقول :

(إياك وصاحب البدعة، فإنه يجرك إلى بدعته، ولا أقل من أن يشوش فكرك، ويؤذي خاطرك)

 ثم ينقل في الهامش معلقاً على هذه العبارة:

 (للاستزادة في هذه الجزئية، انظر رسالة: هجر المبتدع)([10]) ، و أقل ما يقال عن هذه الرسالة التي أحال إليها أنها تفتقر إلى الحد الأدنى من قواعد العدل و أخلاق الاختلاف المقررة في الشريعة ، بل هي رسالة صدرت في ظروف خاصة من المنافسة و مغاضبة الأقران بعضهم لبعض ، و كثيرا ما تكون هذه السياقات مواطن زلل و عدوان فكيف تكون أساسا يربى عليه صغار الطلاب .

كما يشير المقرر إلى بعض التفسيرات العدوانية السلبية غير اللائقة في تفسير سلوك المخالف المسلم ، و من ذلك افتراض التواطؤ في علاقة المخالف بالمستعمر ، كما يقول المقرر:

(يجب أن يعلم أن دول الكفر تشجع المبتدعة على نشر بدعتهم، وتساعدهم على ذلك بشتى الطرق)([11]).

وهذا الأسلوب في التشكيك بالمخالف المسلم يسهم في إضعاف أخلاقيات الطالب و يوهن حسن الظن بالمسلمين في وجدان الطالب ، الأمر الذي قد يحطم ما سبق بناؤه من آداب الاختلاف.

إن انتشار لغة المفاصلة والتضليل والتشكيك تشكل خطرا على تكوين الطالب السوي ، بيد أن الأخطر من ذلك هو عرض تاريخ الاختلاف الإسلامي بصورة قد يفهم منها الطالب مشروعية القمع العنيف للمخالف ، أو جواز تصفيته جسديا من أجل رأيه في مسائل الخلاف في تقدم هذه المعلومات لطالب غض الأظفار بعيد عن إتقان مهارات القضاء و قواعد الإثبات ، بما يوهم أن التعامل العنيف مع المخالفين إحدى المهام التي يجب أن يعنى بها الطالب في حداثة سنه ، يقول المقرر مثلا:

 (مع طول الزمن والبعد عن آثار الرسالة، يحصل كثير من الانحراف، ويخفى كثير من السنن، وينبت كثير من البدع...

 وكان الصحابة والتابعون يقفون لهذه الأمور بحزم وعلم، فلم تفلت بل قمعوها، وبينوا الحق وأزالوا الشبهة،

 وما من بدعة إلا ويقيض الله لها من يردها ويكشف عوارها وينصر السنة،

 وما من رأس من رؤوس الضلالة إلا ويقيض الله له من أعلام السنة من يتصدى له ويفضحه، ويرد عليه بدعته ويقيم عليه الحجة..

 لما ظهرت نزعات الابتداع الأولى في عهد عمر الفاروق.. قيض الله لها عمر فأقام معوجها بدرته المشهورة.. وأدب الأمة كلها بقطع شجرة الحديبية..

وأدب علي من غلا فيه وحرقهم بالنار..وأمر بجلد من فضله على الشيخين..

 ولما ظهر من ينفون القدر تصدى لهم متأخروا الصحابة كابن عمر الذي حذر منهم وكشف عوارهم..

ولما أعلن غيلان الدمشقي هذه البدعة تصدى لها التابعون..

 فلما أصر على بدعته قتله هشام بن عبد الملك..

 وضحى الأمير خالد بن عبدالله القسري بالجعد بن درهم..

 وهكذا كلما كثرت حشود البدعة تصدت لهم جحافل السنة..

 ولما احتشدت حشود الأهواء.. قيض الله لهم إمام السنة وقامع البدعة، الأمام أحمد بن حنبل، فكسرهم كسرة لم ينهضوا بعدها إلا متعثرين بحمد الله..

 وكان شيخ الإسلام ابن تيمية مجاهداً بعلمه ولسانه لأهل الكلام والفلاسفة والصوفية، وغيرهم من جحافل البدع الذين تصدى لهم..

 ولا تزال آثاره ومؤلفاته مرجعاً لكل صاحب سنة، وقذى في عين كل صاحب بدعة..) ([12]).

 فهذا العرض التمجيدي للتعامل العنيف مع المخالف شديد الخطورة على نفسية الطالب حيث قد يوحي بتأييد ضمني لما انطوت عليه من ظروف شائكة يصعب عليه فهم دقائقها و ضوابط التعامل معها ، الأمر الذي قد يؤدي إلى انهيار حرمة الدماء والنفوس في وجدان الشاب فيشعر بهوان النفوس و مشروعية القتل و إزهاق الأرواح ، خصوصا إذا انضاف إلى ذلك تقديم هذه الوسائل للطالب على أنها هي دعائم إقامة الدين والحفاظ عليه ، فيتصور أن تعميق الهوية الإسلامية يتم من خلال الوسائل العقابية كما يقول المقرر :

(مصلحة الدين فوق كل مصلحة.. من رحمة الله إن شرع طرقاً كثيرة للمحافظة على الدين منها:

1.     الأمر باجتناب المعاصي، ومعاقبة مقترفيها.

2.     محاربة الابتداع في الدين، ومعاقبة المبتدعين والسحرة وأمثالهم.

3.     قتل المرتدين والزنادقة.

4.     الجهاد..) ([13]).

يقرر هذا النص صورة عن الدين توهم الطالب بأن حفظ الدين يتم عبر سلسلة من العقوبات متجاهلا أن حماية الدين الأساسية تقوم على البرهان و جلال الله تعالى و فطرة الناس التي فطر الناس عليها والقسط ، والشورى ، والرحمة.. ، أما العقوبات فهي في الشريعة تجري وفق نظام خاص لا يمكن إقحام الطالب فيه دون دراية بمجموعة كبيرة من القواعد التي تعرض الامر بصورة دقيقة و بغير ذلك قد يتسلل إلى فهم الطالب تصورات تختزل التعامل مع الناس عبر سلاسل من العقوبات و الممارسات العنيفة .

كما يدعو المقرر إلى تعميق الكراهية ضد المسلم المقصر بينما كان الواجب نشر الحب والمودة، فحين تكلم عن أحكام البغض لوجه الله ، قال في شرح ذلك:

 (أبغض في الله: أي أبغض المخالفين والمعرضين عن أوامر الدين الصحيح) ([14]).

بل ويدعوا إلى تجاوز الكراهية إلى المعاداة كما يقول:

 (العصاة أصحاب الكبائر من المؤمنين..فيوالون لما فيهم من الإيمان، ويعادون لما فيهم من المعاصي..وهجرهم إذا كان في هجرهم ردعاً لهم وتوبيخاً) ([15]) .

وكان المفترض بث الروح الاسلامية وتأكيد الأخلاقيات النبوية مع المقصر كالمودة واللباقة وأدب الحديث والملاطفة

فلم يكن من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم اعلان العداوة على المقصرين من أصحابه  بنسبة تقصيرهم ، بل كان يبادر الى الاعذار ، ويدعم المعنويات ويتلطف في إيصال عتابه ، كما قال أنس بن مالك (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم سباباً ولا فحاشاً ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: (ماله؟ ترب جبينه) ([16])

أما التثريب على المقصرين فمخالف للهدي النبوي حتى لو ارتكب المقصر كبيرة من الكبائر، قال صلى الله عليه وسلم(اذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ، ولايثرب عليها)([17]) .

وفي الوقت الذي لفت المقرر انتباه الطالب إلى خطورة التكفير ، إلا أنه يجازف أحيانا برسم صور تكفيرية شمولية عن العالم الإسلامي ، كما يقول:

(قد حدث في هذه الأمة من الشرك والمبادئ الهدامة والنحل الضالة ما خرج به كثير من الناس عن دين الإسلام، وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله)([18]و(فشا الجهل في القرون المتأخرة، ودخلها الدخيل من الديانات الأخرى، فعاد الشرك إلى كثير من هذه الأمة، بسبب دعاة الضلال، وبسبب البناء على القبور، متمثلاً بتعظيم الأولياء والصالحين، وادعاء المحبة لهم، حتى بنيت الأضرحة على قبورهم، واتخذت أوثاناً تعبد من دون الله بأنواع القربات من دعاء واستغاثة وذبح ونذر لمقاماتهم) ([19]) و(إن ما ينذره جهلة المسلمين، من نذور للأولياء والصالحين  من أموات المسلمين، كأن يقول: يا سيد فلان إن رزقني الله كذا، أجعل لك كذا..فهو شرك أكبر) ([20]).

ومع هذه الصور الموهمة التي تحمل تكفيرا مجملا ، يلقي المقرر الكثير من عبارات إهدار الدماء واستباحة الممتلكات ، وينثرها بين ثنايا المقرر بشكل فوضوي غير منظم المعنى والمعايير كما يقول:

(الشرك الأكبر يبيح الدم والمال)([21]).

ويعود أيضاً ليؤكد:

(المشرك حلال الدم والمال) ([22]).

وحتى لو كان المتهم بالشرك من جهلة المسلمين يقرر المنهج إهدار دمه و استباحة ماله فيقول المقرر:

(الذي يقول لا إله إلا الله، ولا يترك عبادة الموتى والتعلق بالأضرحة، لا يحرم ماله ولا دمه)([23]).

بل يتجاوز المقرر ذلك إلى تقرير مشروعية استرقاق أهالي المخالفين كما يقول المقرر وبلغة توحي بالتحريض أن الذي وقع في الشركيات فإن الله قد:

 (أباح دمه، وماله، وأهله، لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عبيداً لهم، لما تركوا القيام بعبوديته)([24]) ، إن هذه النصوص تجازف بأحكام كبيرة منثورة بعبارات تفتقر إلى الحد الأدنى من الدقة الفقهية و التناسب مع مستوى الطالب و مهامه المنتظرة منه تجاه تلك الانحرافات التي يحرضه المقرر ضد أصحابها .

إن المقررات المدرسية تزداد اضطرابا حين تتناول الاتجاهات الفكرية المعاصرة، حيث يتضاعف حجم المجازفة في العبارات التكفيرية بهدف تعبئة الطالب ضد هذه الاتجاهات ، ولنأخذ نموذجا على ذلك :

يؤمن الكثير من المفكرين والمثقفين في العالم العربي بأهمية الوحدة العربية، وتمتين الروابط القومية، وما يتبع ذلك من تبادل اقتصادي ، ومواقف سياسية ، وعلاقات ثقافية ، وهموم مشتركة، وانبثق عن ذلك مجموعة من المشروعات: كالجامعة العربية، ومراكز البحوث المتخصصة بتطوير الثقافة العربية، والمطبوعات المعنية بهموم العالم العربي وغير ذلك، وقد بالغ المقرر في التصوير السلبي للدعوات القومية حيث وصفها بأنها:

(دعوة جاهلية إلحادية، تهدف إلى محاربة الإسلام، والتخلص من أحكامه و تعاليمه) ([25])

ويقول:

(الفكر القومي يسقط الدين من اعتباره..بل إنه يعتبر الدين عائقاً في سبيل القومية) ([26])

ولذلك حكم عليها بكل قطعية وحدة بقوله:

 (الانتماء للأحزاب الجاهلية والقوميات العنصرية، كفر وردة عن دين الإسلام)([27])

ويؤكد كذلك:

(لا شك أن الفكرة القومية ردة إلى الجاهلية) ([28])

والسؤال الآن:

 كيف يستطيع الطالب استيعاب هذا التناقض الحاد بين مبدأ خطورة التكفير و تطبيق هذه المجازفات التكفيرية غير المسئولة ؟

بل يتجاوز ال&