الصفحة الرئيسية
  
مُـخـتـارات حوار مع د. برهان غليون حول القضايا العربية
 

هشام القروي

 

في هذا الحوار الذي أجريته معه مؤخرا في باريس, تحدث المفكر العربي الكبير الدكتور برهان غليون بصراحته المعهودة عن كل المواضيع الفكرية والسياسية التي طرحتها عليه. وقد دام اللقاء حوالي ثلاث ساعات في غرفة مكتبته التي تصطف على رفوفها الكتب العربية ( وسواها) والتي من حيث طابعها تبدو واحة شرقية في قلب باريس. وكانت الضيافة على الطريقة العربية السورية: عدد غير متناه من فناجين القهوة, والحلويات الشامية, التي لا يزال مذاقها في فمي – للذتها ولإفراطي في تناولها! وقد بدأ الحديث عن المواضيع الفكرية العامة التي عالجها برهان غليون في كتبه, وكنت أحضرت معي بعض الأسئلة. ولكن ما أن استرسل الحديث, وتشعبت المسائل, حتى تركت جانبا تلك الأسئلة, ورحت أثير غيرها مما له صلة بكل المواضيع المطروحة على الساحة اليوم: فلسطين والعراق وما وقع في سوريا والمغرب والمملكة السعودية ومصر والسودان والجزائر...وتصورات القوميين والاسلاميين وغيرهم من الحركات والحساسيات والأنظمة العربية والغربيين لحل الأزمة او ادارتها, أو تقديم الاصلاحات أو سواها من التسويات والاطروحات.
س : عندما نتجه بأنظارنا الى الخلف، خاصة ما يهم العلاقات بين العالم الاسلامي والغرب منذ نهاية القرن التاسع عشر، يبدو وكأن القومية العربية – التي كان صعودها مكتسحا في فترة الخمسينات والستينات – لم تكن سوى حلم وجيز. كان من شأن هزيمة 1967 أن تؤدي الى انحسار للتيار القومي الناصري...والبعض في هذا السياق يتحدثون عن "موت قبل الأوان"... هذا في الوقت الذي بدا فيه أن سقوط صدام حسين ينهي فصلا حزينا من "كتاب" البعث. برأيك، في النهاية أليس أكثر بساطة ان نختار خليفة ونرتاح؟
ب. غليون: كلا. أعتقد أن الايديولوجية البعثية لما بعد الناصرية تعكس انحطاط الفكر القومي العربي أكثر مما تعبر عن هذا الفكر. وسبب هذا الانحطاط الرئيسي هو صعود الناصرية التي مثلت كحركة وطنية عربية لحظة أكثر نضجا وحيوية وشمولا من البعثية وأدانتها بالتشرنق على نفسها والمراهنة على القواعد الزبائنية والعشائرية للحفاظ على البقاء. فالناصرية التي ارتبطت بقيادة زعيم كرزماتي فعلا واستندت على دولة كبيرة ذات موارد وتقاليد مؤسسية أهم تحولت بسرعة إلى حركة شعبية جارفة جعلت البعث يبدو أماما كلعبة قديمة مفوتة. لقد بعثت الناصرية بالفعل الأمل في نفس الجماهير التي بقيت محرومة لقرون من الكرامة والحرية والحضارة وأخرجتها جميعا من عزلتها وأوكارها إلى ميدان الحياة السياسية والعامة، إلى الأمل والتفاؤل والنهوض. والحقيقة أن آمال التقدم لم تكن معدومة في ذلك لو استطاع العرب أن يوحدوا أنفسهم, أو لو اتبع القادة العرب – بما فيهم عبد الناصر – أسلوبا أكثر عقلانية ورصانة وجدية في معاركهم العديدة التي خاضوها ضد أعداء العرب وفي ما بين القوى الوطنية العربية أيضا. ولو فعلوا ذلك لما وقعوا في فخ حرب 1967 الذي نصبه لهم أ عداؤهم. كان هنالك أمل بالتأكيد، لكن العالم العربي لم يعرف كيف يمسك ببرهة الأمل الذي انفتح له في تاريخه الحديث. في الغرب، رأوا في القومية العربية نزعة للهيمنة والتوسع أو نوعا من احياء التراث الاسلامي والخلافة. وهذا مخالف للصواب. فالناصرية – والحركة القومية العربية عموما- كانت في العمق واسطة تحديث وعصرنة في العالم العربي، عكس ما تصور الغربيون. ولا أرى أننا اليوم بحاجة الى خليفة، بقدر ما نحن بحاجة الى مواطنين... بحاجة الى برهة ازدهار ثقافي وسياسي للخروج قليلا من مأزق الوضع الحالي، بما يعيد للأفراد في المجتمعات العربية شيئا من الأمل، اذ أنهم برأيي يعيشون فعلا في يأس.
س: أود أن أسألك عن علاقة هذا كله بالقضية الفلسطينية، باعتبار أن الحركة القومية العربية ركزت منذ الانطلاق على محورية هذه القضية. هل ترى أن فشل القومية العربية كان له تأثير سلبي على حل القضية الفلسطينية؟ وبعبارة أخرى, هل انعدام الحل الى حد الآن هو أيضا نتيجة لفشل العمل القومي العربي؟
ب. غليون: نعم، فشل القومية العربية يمكن ملاحظته بالنسبة لثلاثة عناصر. أولا، الفشل في الوصول الى حل للقضية الفلسطينية، سواء أكان ذلك بالطرق السياسية والدبلوماسية أو بالطرق العسكرية. ثانيا، الفشل في تغيير العلاقات مع السلطة ونقلها من حالة التمركز الدولوي والشعبوية الى حالة المأسسة الديمقراطية, أي الانتقال من حركة شعبوية (تدغدغ عواطف الجماهير) الى مجتمع منظم ومؤسساتي (سواء على صعيد الدولة أو المجتمع المدني). وثالثا,- وأعتقد أن هذا العنصر لعب دورا في انحلال النخب فيما بعد- الفشل في توحيد العالم العربي بما أن هذا كان هو الأساس في قيام الحركة. فعوض أن تتقدم نحو مزيد من التنسيق والتجانس والدمج، تعددت النزاعات وتنوعت داخل – وبين - الاحزاب والمنظمات التي تبنت الفكر القومي. وهذه الاخفاقات الثلاثة كما أتصور كانت وراء انحسار التيار القومي العربي، ولهاثه، وتآكل مصداقيته، حيث تخلى عنه المناضلون والمتعاطفون لينضم عدد منهم فيما بعد الى صفوف الاسلاميين أو الى كل تلك الحركات الاحتجاجية التي راحت تعارض حتى الأنظمة التي ولدت من صلب الفكر القومي المتدهور. وباعتبار أن القومية العربية لم تنجز أهداف ها الاستراتيجية ، فقد فقدت مصداقيتها، وأصبحت تائهة.
س: هل تعتقد أنه لا يزال بالامكان أن نتحدث عن المسألة الفلسطينية بصفتها جوهر القضية العربية، وباعتبارها تمثل القومية العربية؟ بعبارة أخرى، هل ترى أنه لا يزال يحق للعرب أن يتدخلوا من أجل تقديم تسوية – بطريقة أو بأخرى – للمسألة الفلسطينية؟
ب. غليون: نعم، هم يتدخلون اليوم. ولكن القومية العربية غدت حركة أقلية. لم تعد تحظى بما كانت عليه في الستينات والسبعينات من القوة والزخم. فأنا لا أرى أن القومية العربية هي اليوم ايديولوجية الأنظمة القائمة ، لا في مصر، ولا في سوريا، ولا في أي مكان آخر. فالدول العربية تفكر بما يخدم المصالح الآنية للنخب التي تسيطر على السلطة، ودون أي رجوع الى أي ايديولوجية، سواء أكانت عربية او غير عربية، قومية أو غير قومية، اشتراكية أو غير اشتراكية. لم يعد هناك ايديولوجيا، وإنما ادارة يومية للأزمات ذات الأبعاد والوجوه المتنوعة. وفي غياب حركة كتلك، فإن المسألة الفلسطينية تعاش من قبل الناس على مستوى حساسية وتعاطف كل شخص وعقائده وأفكاره وتوجهاته وميوله. هناك من الجمهور العربي من لا يزال يحمل المسألة الفلسطينية في قلبه بصفتها جوهر القضايا العربية كما قلنا، وهناك أيضا قطاعات متزايدة من الناس – ورأيي أنها الأغلبية – تولي اهتمامها بالخصوص الى ظروف الحياة المادية اليومية – التي تزداد صعوبة بما فيها السياسة والاقتصاد والثقافة –. ومن الصحيح أنه يمكن القول اليوم أن القضية الفلسطينية لم تعد تتصدر مشاكل العالم العربي كما كان الأمر في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. بيد أن النزاع الاسرائيلي- العربي لا يزال في الحقيقة يسمم الحياة السياسية للمنطقة، من حيث أنه لا يزال مصدرا للقلق والتوتر والجمود.
س: لنتحدث قليلا عن تفاعلات الملف العراقي، ولنبدأ بسوريا. هذا الذي حدث في القامشلي – وقد سمعت مؤخرا أيضا أن بعض الاكراد أطلقوا النار على رجال شرطة - ، هل تراه على صلة مباشرة بما يقع في العراق؟
ب. غليون: بلا شك . الوضع العراقي الجديد له انعكاسات مباشرة وسريعة على سوريا، لا سيما من خلال المسألة الكردية التي يشترك فيها البلدان، وإن لم يكن ذلك بنفس الشكل. أعتقد أن الأكراد في سوريا لم يكونوا ليتصرفوا بتلك الطريقة لو لم يشعروا- وهم على حق- بتبدل موازين القوة الإقليمية وتراجع مواقع الدول العربية التي يعيشون فيها، وربما أيضا لو لم يثقوا عن حق أو عن خطأ بإمكانية الحصول على المساندة الامريكية، أو على الأقل على دعم الاكراد العراقيين الذين يتوفر لهم ذلك السند. ولكن هذا لا يكفي حتى نفهم ما يحدث في هذه المنطقة. إن تفسير ما حدث يستدعي أن نأخذ بعين الاعتبار عنصرين مختلفين. الاول ، أن الاكراد يشعرون الآن بأنهم أقوى بفضل الوجود الامريكي في العراق, وهم في حالة غليان قوموي بلغت درجة متقدمة . والعنصر الثاني هو شعور النظام السوري بأنه أصبح الآن في وضع دفاعي والخوف من أن تغمره موجة الاحتجاجات ذات الطبيعة الاثنية أو السياسية التي قد تعصف بالبلاد. ومن ثم فقد كان رد فعل النظام على محاولة كردية لجس نبضه مفرطا في العنف اعتقادا منه أنه بهذه الطريقة يستطيع أن يردع المعارضين ويقطع الطريق على هذا النمط من الاحتجاجات الأقوامية التي تهدد استقراره. بيد أن القضية لا يمكن أن تحسم بهذه الطريقة، ولذلك فقد وضع النظام نفسه في ورطة وضاعف من احتمال استفحال التهديدات والأخطار .
س : وماذا عن الوجود السوري في لبنان؟
ب. غليون : أعتقد أن السوريين أخطأوا حين لم يبادروا الى التفاوض حول مسألة تنظيم انسحابهم من لبنان مباشرة بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد. أنا كنت أحد أوائل الداعين الى هذا الانسحاب ، وقد قلت وكتبت أنه حان الوقت لكي يقلص السوريون من وجودهم الكثيف في لبنان أو ينسحبوا قبل أن يفرض عليهم الانسحاب. وأن على سورية أن تعيد حساباتها الإقليمية على أكثر من جبهة حتى تعزز دفاعاتها في وجه المخاطر القادمة والناجمة عن الضعف الذي اعترى النظام. وأرى أن التشبث بمواقع عسكرية في لبنان سيسبب لسوريا مزيدا من الضغوط ، وأنه كان من الخطأ تماما ألا يتوقعوا ذلك أو يحسبوا له ألف حسابا. لكنهم بنفس القدر, لم يتوقعوا الاضطرابات الكردية أيضا، كما لم يهتموا كثيرا بتخفيف الضغوط على المواطنين ، وفتح المجال لمزيد من الحوار والنقاش بين كل الاطراف السياسية. وهذا ما قد يؤدي الى الوقوع في الفخ الذي نصبه لهم الامريكيون ، أي اشعال بؤرة نزاع شمالي سوريا، تدفع بالنظام الى تعبئة جهوده لمقاومتها، مما يشل قواه، ويظهره ضعيفا خائرا في مواجهة القانون الامريكي الخاص ب"معاقبة سوريا".
س: الواقع أنني أجدك اصلاحيا ليبراليا أيضا، باعتبار أنك تدعو الى انتخابات حرة وحكومات ممثلة. ولكن يبدو لي وكأن هذه الاصلاحية الليبرالية نفسها أصبحت اليوم تعتبر "ثورية" في بعض أجزاء البلاد العربية، لشدة الركود المسيطر...
ب. غليون: بالتأكيد. ولذلك عندما أقول ان هذه الانظمة غير قابلة للاصلاح، فإنني أعني طبعا أنني أقف الى جانب الاصلاحات وأطالب بها. فالمجتمعات العربية تحتاجها أشد الحاجة على المستويات الاقتصادية, والسياسية, والادارية, والثقافية,والتربوية, وغيرها.ولكن يبدو لي أنه لا يمكننا الاعتماد على هذه الأنظمة للقيام بالاصلاحات , لأن الذي يفترض أن يقوم بالاصلاح هو الحكومات التمثيلية, التي تتمتع بدعم والتفاف شعبي, ودون ذلك لا يمكن تحقيق أي اصلاح ولا انشاء ادارة جديدة, واقتصاد جديد, ووفاق اجتماعي جديد, وهكذا تستمر الأزمة.

س: بعض الأنظمة يسيطر عليها الخوف من التغيير, فالاصلاحات التي يدعو اليها الديمقراطيون العرب وسواهم، تثير لدى البعض هاجس الخوف من الاسلاميين وتكرر السيناريو الجزائري في بداية التسعينات, ويساهم هذا الخوف نفسه في تجميد الوضع. فحتى اذا كان لدى البعض حسن نية أو ميل الى الاصلاح, فإن مجرد التفكير في أن الشارع قد يأتي بالاسلاميين الى السلطة, يجعلهم يتراجعون ويجمدون الوضع...
ب. غليون: نعم, وهذا ما يبرر مرة أخرى استمرار سيطرة النخب الفاسدة وغير المسؤولة التي قادت البلدان العربية الى الافلاس والتي تسبب سياساتها اليوم تهديدات باعادة احتلال هذه البلدان أو وضعها تحت الوصاية, من حيث أنها تثير مزيدا من التحركات الغربية نحو التدخل العسكري في العالم العربي. أعتقد أن الخطوة الأولى نحو الاصلاح هي تغيير هذه الحكومات غير الممثلة للشعب وانتخاب غيرها. أما عن مسألة خطر وصول أغلبية اسلامية الى السلطة عن طريق الانتخابات، وهو ما يبدو مثيرا لخوف الغربيين وللطبقة الوسطى في العالم العربي، فإنني لا أرى هذا الاحتمال كبيرا. إنني أتحدث عن معرفة بالعالم العربي، حيث زرت العديد من بلدانه, وأعتقد ان الاسلاميين منقسمون جدا , وأنهم اليوم بعد حوالي عشرين سنة من المنازعات والصراع قد فقدوا الكثير من أوهامهم وانسجامهم وشعبيتهم. وحتى إذا كانت الايديولوجية الاسلاموية لا تزال تحظى بتعاطف الاغلبية على المستوى الايديولوجي ، فإن ذلك لا يعني أبدا أنه عندما يحين أوان الاختيار السياسي ، فسيصوت لها أغلبية الناس. لا أرى خطرا من هذه الناحية, ويمكن أن نعاين هذه المسألة في بعض البلدان التي وقعت فيها انتخابات مؤخرا, حيث لم يصل الاسلاميون الى الحكم...
س: أعطنا مثالا عن ذلك.
ب. غليون: في المغرب الاقصى وقعت انتخابات اعترف العديد من الملاحظين أنها حرة نسبيا, أو أنه على الاقل لم يقع تزييف نتائجها, وبرز الاسلاميون كقوة في البرلمان – وهم بأية حال كذلك في كل البلدان العربية - , إلا انهم لم يحصلوا على الأغلبية. كذلك يمكن أن نذكر الانتخابات في الأردن التي لم تأت بأغلبية اسلامية الى السلطة...
س: ثمة بلدان عربية حدثت فيها "انقلابات" على الحلفاء الاسلاميين... يعني أن السلطة تستعين بهم, ثم تتخلى عنهم... السودان مثلا.
ب. غليون: أنت تتحدث عن سلطة لم تأت عن طريق الانتخابات وإنما عن طريق الانقلاب, وليس في هذا أي دليل على أن الاسلاموية ستكون حتمية أو بمثابة "قضاء وقدر" لا مهرب منه , في سياق ديمقراطية حقيقية في المجتمعات العربية. على العكس من ذلك, أنا أرى أن الاسلاميين أصبحوا قوة معتبرة لأن الميدان السياسي وقع اغلاقه, بحيث غاب نقاش الافكار, ولأن الأنظمة السلطوية منعت الطبقة الوسطى من تنظيم نفسها داخل هياكل المجتمع المدني أو على المستوى السياسي , ولأن هذه الأنظمة المتسلطة اجتثت كل شكل من أشكال التنظيم العقلاني داخل المجتمعات العربية , بحيث وجد الاسلاميون آنذاك المجال مفتوحا لجلب الناس الذين يفتقرون الى أفكار سياسية واضحة والذين تتلخص الثقافة لديهم في الدين . وبالتالي، يكفي أن يحدث الانفتاح وتسمح الأنظمة للناس بالنشاط السياسي الحر وبالنقاش العلني حتى تبرز قوى جديدة ديمقراطية وتنمو وتتطور. اليوم, تشير استطلاعات الرأي الى أن الأغلبية في العالم العربي تريد أنظمة ديمقراطية . هذه حقيقة أساسية ولا مهرب منها. صحيح أن الناس في العالم العربي ربما يكونون أكثر تدينا من أمكنة أخرى – فللدين عند العرب اليوم وزن أكبر مما هو موجود مثلا في البلدان الغربية او سواها – ولكن هذا لا يؤدي بالضرورة الى دعم تلقائي وآلي للأحزاب أو للسلطة أو للدولة الاسلامية على حساب دولة الحق والقانون والمساواة والعدالة الاجتماعية. بل على العكس, ففي بعض البلدان, يثير الاسلاميون الخوف لدى الناس, اذ أنهم قد يستثيرون الضغوط الخارجية مما قد يمنع الاستقرار وتنشيط التنمية والاستثمارات , وهي أولوية في تلك البلدان باعتبار نسب البطالة العالية والفقر الذي يمس حوالي 30 بالمائة من سكان العالم العربي. فالناس اذا أكثر فأكثر حاجة الى تحسين مستويات معيشتهم, وهم بالتالي سينضمون الى الاحزاب السياسية التي تبدو لهم قادرة أكثر من غيرها على كسب معركة التنمية الاقتصادية والتحديث وتطوير الادارة واحترام حقوق الانسان والقوانين. والحقيقة أن الاسلاميين لم يلمعوا بشكل بارز في هذا المجال.
س: برأيك اذا أنه ليس من الضروري أن يتلخص خيار العرب في أحد أمرين: إما الاحتفاظ بالحكومات الفاسدة وإما ايصال الاسلاميين الى السلطة؟
ب. غليون: تماما. لا أرى أن الاسلاموية قضاء لا مفر منه, بل أعتقد أن الناس يبحثون عن مخرج بديل عن هذه الثنائية الصراعية التي قادتهم من ناحية الى تحمل قمع لا حدود له من قبل الأنظمة , ومن ناحية أخرى الى تحمل قمع فكري وديني من قبل سلطة إسلامية أو تقول عن نفسها أنها كذلك وتبقى مرفوضة من الغرب والدول الصناعية.
س: فهل تعتقد أنه في اطار الأنظمة الاجتماعية-السياسية الحالية يمكن الوصول – اذا توفرت النية والارادة – الى تنظيم انتخابات حرة ؟
ب. غليون: كلا. لا أظن أن الأنظمة الحالية قادرة على الذهاب الى حد قبول انتخابات حرة. بل ينبغي احداث قطيعة معها , بمعنى التوقف عن التفكير بأنه لا يزال بالامكان بناء أي شيء انطلاقا مما هو قائم داخلها. لذلك، ينبغي على الطبقة الوسطى , بما تحويه من مثقفين و سياسيين ديمقراطيين , أن تنظم نفسها لايجاد بديل ديمقراطي عن الوضع الحالي, وللمطالبة – فهذه معركة سياسية بانتخابات حرة. وينبغي اذا تعبئة الشارع والرأي العام من اجل انهاء الوضع السائد القائم على أساس القوة والإكراه والعنف, وتدشين عهد جديد قوامه التمثيل الديمقراطي المدعوم من قبل قوى اجتماعية منظمة. وهذا ما يترتب على القوى الديمقراطية ان تبادر اليه, فتوسع القاعدة الاجتماعية لتحالفاتها من أجل خلق الديناميكية الضرورية لتغيير الأوضاع ... ولا أقول لقلب السلطة ، وإنما لقلب علاقات القوة التي تمكن هذه الأنظمة من إعادة إنتاج نفسها والتوالد بشكل لا نهائي.
س: يخيل لي أنك تسلك نفس الطريق الذي اختارته تلك النخبة من المثقفين السعوديين الذين أصدروا بيانا يطالب بإدخال اصلاحات كبرى على مجتمعهم, والذين ظفروا في النهاية بأذن الأمير عبد الله، ولي العهد, الذي استقبلهم وفتح معهم حوارا...
ب. غليون: في المملكة العربية السعودية كما في غيرها من البلاد العربية, ليس هناك حل آخر أو وسيلة سوى تجميع القوى والتعبئة السياسية من أجل الخلاص من النظام السلطوي القائم على القوة والهيمنة والذي هو أشبه ما يكون بعصابات المافيا وميليشياتها. ليس هناك طريق أخرى غير تنظيم الطبقة الوسطى بالعمل السياسي لقلب علاقات القوة داخل المجتمعات العربية وفرض الانتخابات الحرة على الانظمة الحالية, مما يعني القطيعة مع الماضي. وهذا بصرف النظر عن مناورات السلطة القائمة وأساليب تحايلها أو محاولاتها الطبيعية أو المتوقعة لاحتواء المعارضة أو حركات الاحتجاج عندما يمكنها ذلك,
س : إن هذه القوى الاجتماعية التي تتحدث عنها موجودة في كل مكان من العالم العربي، ولكن هل تعني ضرورة الحركة والعمل السياسي على صعيد محلي أم على صعيد قومي يشرك كافة القوى العربية المعنية؟
ب. غليون: أرى أنه ينبغي العمل على الصعيدين في آن معا، أي في كل بلد على حدة, وفي كل البلدان في نفس الوقت. ينبغي أن يكون هناك مزيد من التعاون بين هذه الحركات . وأعتقد أن هناك العديد من التيارات والقوى الديمقراطية في العالم العربي , إلا ان عملها لا يزال غير منظم . ففي البلدان التي نجد فيها درجة أعلى من التنظيم على هذا المستوى , كما في المغرب الأقصى مثلا, أمكن لتلك القوى كسب المعركة, حيث وصلت الى السلطة حكومة التناوب الديمقراطي, التي استطاعت أن تحقق خطوات ايجابية في مجال التعددية واحترام حقوق الانسان في هذا البلد. وبالتالي, فهناك حاجة الى تنظيم أفضل , من أجل عمل أكثر نجاعة ,وانجاز مشروع ديمقراطي جاد ومقنع. وهو ما لايزال غائبا في معظم البلدان العربية, حيث الحركات الديمقراطية لا تزال حركات أقلية , ضعيفة, تنقصها الجرأة. ولعل هذا عائد الى ما تعانيه من قمع داخلي, وعدم اهتمام خارجي. فالغرب لم يكن يؤمن أبدا بإمكانية دمقرطة هذه المجتمعات , ولهذا فقد تخلى مبكرا عن القوى الديمقراطية العربية. ان الديمقراطية العربية يتيمة. فهي تتعثر بين الأنظمة التي ولدت من الانقلابات، وبين الدول الغربية الت ي لا يمكن التقدم دون مساعدتها, ذلك ان الديمقراطية اليوم هي نظام شامل معولم, بحيث لا يمكن أن نتصور اقامة نظام ديمقراطي في بلد مقطوع عن بقية العالم. وإذا أمكن لاسبانيا واليونان وبلدان اوروبا الشرقية أن تنخرط في السياق الديمقراطي , فذلك لأنها قبلت وأدمجت في النظام الديمقراطي الغربي, ولأن الأنظمة الغربية قدمت عونا كبيرا لتلك الشعوب وساعدتها على التخلص من الديكتاتورية. وليست هذه هي الحال في العالم العربي.
س : ألا توجد نواة ديمقراطية في العالم العربي يمكن الانضمام اليها؟
ب. غليون: هناك العديد من الحركات والمنظمات والاحزاب الديمقراطية داخل المجتمع المدني, ولكن الغرب أهملها ولم يولها أي اهتمام، معتبرا أن "الشرق" – أي العرب – لا يمكن أن يعرف الديمقراطية. فقد صنفت المجتمعات العربية نهائيا بوصفها تنتمي الى مفهوم "الاستبداد الشرقي", وساد هذا التصور الى حد أنه لم يعد بالامكان أن يفكر أحد بإمكانية ظهور حركات ديمقراطية هناك. وهذا ما يفسر ندرة الدعم الذي لقيته هذه الحركات في الغرب, بالرغم من كل ما قاسته من قمع على أيدي الأنظمة الاستبدادية الفاسدة. ينبغي التذكير أنه في بعض البلدان سقط مئات وآلاف القتلى خلال مظاهرات قمعت بشدة , ولم تهتم الدول الغربية حتى بنشر بيان واحد لادانة ذلك الجبروت الظالم. هذا فقط لنقول الى أي حد تخلت الديمقراطيات الغربية عن القيم التي تتبناها عندما يتعلق الامر بمنطقتنا.
س : هناك موقف مزدوج: فمن ناحية، نقول ان الغرب تخلى عن واجبه فيما يخص تشجيع الديمقراطية في العالم العربي. ومن ناحية أخرى، نقول ليس من حق الغرب التدخل من أجل الديمقراطية، عندما يحاول فعلا أن يشجعها!
ب. غليون: لا, أنت تتحدث عن الأنظمة. فهي التي ارتبكت واضطربت وهلعت ما أن شرع الامريكيون يدعون للديمقراطية في العالم العربي. ان هذا الخوف لا يهم الشعوب. فهذه الأخيرة تنتظر لترى ماذا سينتج عن هذه الضغوط والمشادات بين الحكومات والغرب. ولكن من الصحيح كذلك أن الناس لم يمنحوا بعد ثقتهم للغرب. فطالما لم يطرح الامريكيون القضايا في ترابطها وشموليتها ( يعني الديمقراطية في صلتها مع النزاع العربي الاسرائيلي واحتلال العراق...)، فإن الصورة الرائجة عنهم هي تلك التي تمثلهم متلاعبين ومناورين, يستخدمون خطاب الديمقراطية للتعتيم على تدخلاتهم التي لها أهداف مختلفة تماما عما يزعمون, أي: وضع يدهم على الاحتياطات النفطية في الخليج , وتقديم مزيد من الدعم لاسرائيل ومشاريعها على حساب العرب.
أجرى الحوار في باريس هشام القروي.
الدكتور برهان غليون في سطور: هو مدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون الجديدة – باريس 3-، وأستاذ علم اجتماع متخصص بالمجتمعات العربية المعاصرة بنفس الجامعة، ومفكر وباحث غزير الانتاج، أصدر الى حد اليوم خمسة عشر كتابا من تأليفه الخاص وما يساويها أو أكثر بالاشتراك مع كتاب آخرين. ولد في حمص عام 1945.تلقى تعليمه في حمص ودمشق وتخرج في باريس حاملاً درجة دكتوراه الدولة في الفلسفة والعلوم الانسانية.نذكر من بين مؤلفاته , بدءا من آخر ما صدر منها:- العرب وتحولات العالم: من سقوط جدار برلين الى سقوط بغداد. 2003. المركز الثقافي العربي.- النظام السياسي في الاسلام، مع محمد سليم العوا، دار الفكر، دمشق- الاختيار الديمقراطي في سوريا. 2003. بترا والفرات للنشر والتوزيع.- ثقافة العولمة وعولمة الثقافة. بالاشتراك مع سمير أمين. 2000. دار الفكر المعاصر، بيروت.- نقد السياسة العملية: العرب ومعركة السلام. 1999. المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت.- حوار من اجل الديمقراطية . مع رغيد الصلح. 1996. مركز دراسات الوحدة العربية بيروت. - حوار الدولة والدين. بالاشتراك م ع سمير أمين. 1995. المركز الثقافي العربي.- حوارات من عصر الحرب الأهلية. 1995. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.- المحنة العربية: الدولة ضد الأمة. 1994. مركز دراسات الوحدة العربية. - بيان من أجل الديمقراطية. 1979. مؤسسة الابحاث العربية.- المسألة الطائفية ومشكلية الأقليات .دار الطليعة. 1978.- نظام الطائفية: من الدولة إلى القبيلة، المركز الثقافي العربي.- نقد السياسة : الدولة والدين. المؤسسة العربية للدراسات والنشر.- حرب الخليج أو عصر المواجهات الكبرى, مدبولي، القاهرة. - الوعي الذاتي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر. بيروت.- اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.وبالفرنسية المحنة العربية والاسلام والسياسة. الحداثة المغدورة. دار لا ديكوفيرت باريس

 موقع رزكار

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |