ا

  

الصفحة الرئيسية
  
مُـخـتـارات مقتطفات من كتاب العودة إلى الذات
 

 د. علي شريعتي

 

يقول سارتر:( إن الوجود المجازي من صنع الطبيعة أو الله وإننا بأنفسنا نصنع الوجود الحقيقي, والوجود الحقيقي هو ماهيتي وهويتي الإنسانية وشخصيتي الثقافية, وكل من يملك شخصيته الثقافية الخاصة إنسان مستقل ومنتج, والإنسان المنتج هو الذي يصنع الفكر والأيديولوجية والإيمان والحركة كما يصنع العربة). 

ما لم تصل الأمة إلى مستوى الإنتاج المعنوي والفكري والثقافي, فإنها لن تستطيع أن تصل إلى مستوى الإنتاج الاقتصادي, وإذا وصلت إليه ففي مستوى ما يفرضه الغرب, وفي صورة خادعة أي في صورة استعمار جديد, وإلا فإن المجتمع المنتج هو المجتمع الذي يفكر بنفسه ويخلق بنفسه مُثله وذهنه وقيمه وفنونه ومعتقداته وإيمانه ووعيه الديني وآراءه التاريخية والاجتماعية ونظامه الطبقي واتجاهاته الجماعية.

يقول روسو:(بينوا الطريق للناس ولا تحددوا ما عليهم, امنحوهم الرؤية فحسب, وهم سوف يجدون الطريق بأنفسهم, وسوف يعرفون ما عليهم).
الحضارة لا يمكن أن توجد في الاستهلاك والمظهر والكماليات بل توجد في الرؤية والفكر ودرجة التهذيب وعمق الإحساس والعلاقات الإنسانية والأخلاقية و"نظام القيم" وقوة الثقافة وغناها والدين والفن والاستعداد للخلق والتحليل والاختيار والاقتباس.

إن العصرية عن طريق التقليد تتحقق بسرعة, لكن الحضارة على عكسها تماما, نوع من "الفوران الداخلي" والتحرر من التقليد والوصول إلى حدود "الخلاقية" والتمييز المستقل, فالعربي في الحيرة والعربي في غسان لا هو بدوي ولا هو عربي متحضر, هو متشبه, عصري, ذاك مقلد لكسرى وهذا مقلد لقيصر. لكننا في الحركة الفكرية والأيديولوجية الإسلامية نرى عربيا نصف بدائي وبدويا يسمى جندب بن جنادة من قبيلة من البدو الرحل قاطعة للطريق, كانت كل دنياه عبارة عن صنمه ونفسه والقبائل المحيطة به, كانت كل بيئته عبارة عن عدة مراع تحيط به وتتصل من كل نواحيها بالأفق الذي يمثل نهاية عالم الوجود, وكانت الحياة بالنسبة له عبارة عن حرب وإغارة وانتقام من القبائل المجاورة الضعيفة, نرى هذا العربي تحول إلى أبي ذر الغفاري, وبالرغم من كل الطريق الذي قطعه بين كونه جندب وكونه أبا ذر الغفاري, لا يزال بعيره كما هو وملبسه كما هو وطعامه وزينته كما هي. لم يصر عصريا ولم يتغير استهلاكه ولم يجعل نفسه شبيها بأحد. إن التحضر يعني ثورة في الفكر ووعيا وتمييزا ورؤية كونية وتحليلا للحياة والمجتمع والدنيا وتقييما لها, وتتضح من السلوك الاجتماعي والتكتل السياسي والحياة الفردية في المجتمع.

ثورته كانت في هذه الكلمات: ( عجبت لمن لم يوجد قوتا في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه)

الحضارة ثورة تدريجية في الإنسان, لا هي سلعة ولا مجموعة من السلع المستوردة, ليست شكلا خاصا أو لونا خاصا, إنها جوهر وحقيقة متسامية. وأولئك الذين يريدون إقامة حضارة في دولهم عن طريق استيراد مواد الحضارة الغربية لاشك أنهم سوف يصلون في ظرف عدة سنوات إلى نجاح ملفت للنظر, لكنه ملفت " للنظر" فحسب, لقد فعلوا تماما ما فعله نواطير مهرة لكنهم حمقى, إذ يشترون أشجارا خضراء مثمرة "من الخارج" ويغرسونها "كما هي" في أراضيهم البور التي لا استعداد فيها, وكلهم نظراً لهذه القفزة الخارقة للعادة في دهشة, ولكن بعد أربعة أيام تجف الشجرة التي لا جذور لها ولا ماء ولا تربة. لا يهم, هناك مندوب يشتري أشجارا أخرى, نشتري ونغرس, ويكون عندنا على الدوام أشجارا مثمرة وجديدة, أجل لكن ينبغي أن نشتري الأشجار منهم دائما.

الحضارة تعني حراثة الأرض وتسميدها ومدها بالمياه ثم بذر البذور ورعايتها وتطعيم النبات ومقاومة الآفات.. ثم يأتي النمو. لا جدال أن الشجرة التي تنمو على هذا النحو تحتاج إلى كدح وعمل متواصل وصبر وإرادة واستعداد وذكاء, لكن السبيل الوحيد للحضارة هو هذا.

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |