حكت له جدته قصصا كثيرة
قبل النوم... كانت تشده بروعة أسلوبها وتماهيها مع القصة وكأنها أحد
شخوصها.. وإن ينسى لا ينسى روعة تجاعيد وجه الجدة العجوز عندما تحكي له
قصصا بحرية.. إذ تتحول تلك التغضنات إلى تكسرات تنعكس عليها إشراقات كأنها
أمواج البحر في نهار يوم مشمس..
أحبَّ حكاية السمكة
التي ابتلعت الجوهرة.. وتخيل نفسه أنه الصياد الذي أمسكها واستطاع أن يخرج
من جوفها تلك الياقوتة.. وإن كان قلبه الرهيف وهو لم يتجاوز الخامسة من
عمره بعدُ, لم يساعده على تقبل حكاية شق بطن السمكة بالسكين حتى وهي ميتة..
فكان يطلق لخياله العنان متصورا أنه سيقلبها ظهرا لبطن ورأسا لعقب محاولا
أن يعصرها ليخرج الجوهرة دون أن يضطر لاستعمال السكين.
بالمقابل خاف كثيرا
عندما روت له جدته حكاية حورية البحر التي لا تخرج إلا ليلا... والتي إن
أمسكها أحد فلن تتركه حتى تسحره... اعتراه الرعب وهو يتخيل نفسه ممسكا بها
ثم متحولا إلى تمثال من حجر على شاطئ البحر... لكنه لم يسأل جدته لماذا
حورية البحر تتأبى على الصيادين فقد استنتج بذكاء طفولي أن اختلافها عن
الكائنات البحرية الأخرى ومشابهتها للبشر يجعلها تستعصي عليهم....
كبر الطفل وولج عتبة سن
الفتوة.. أصبح يذهب للشاطئ وحيدا ويحاول التقاط الأسماك.. وفي كل مرة يصطاد
سمكة يتذكر قصة جدته.... وصار استعمال السكين شيئا طبيعيا بالنسبة إليه...
فقد قسا قلبه مع نمو الشعر القاسي في وجهه وجسده.. لكنه ما فتئ يسأل نفسه:
لماذا لم أجد جوهرة في جوف أي سمكة.. يا لجدتي المخادعة!!!!
مع ذلك استمر على خشيته
من الذهاب للشاطئ ليلا.. فقد اعتقد أن خيال جدته الحالم كان حقيقيا بالنسبة
لحورية البحر وإن خيب ظنه بالنسبة للأسماك.. إلا أنه لم يكن يستطيع مقاومة
إغراء ضوء القمر بعد غياب الشمس ... فلطالما مشى على الشاطئ حافي القدمين
عندما يكون القمر بدرا.... كان يترك موج البحر يداعب قدميه بخفة ويضربهما
بحنان يتسرب إلى أعمق أوصاله.. كان أحيانا يجلس على الصخر ليعلو هدير
البحر في أذنيه متفوقا على كل الأصوات... وما إن ترتفع موجة أكثر من
أخواتها حتى يتخيلها حورية بحر ستقترب منه وتسحره.. فيحدق فيها بخوف حتى
تتلاشى تدريجيا .. ثم لا يلبث أن يقفل راجعا إلى منزله دون أن يجرؤ على
البقاء أكثر..
إلى أن جاء ذلك
اليوم.....
قصد الشاطئ لا بغاية
الصيد بل بقصد تأمل القمر كعادة مفضلة إليه يخلو فيها إلى نفسه وإلى صديقيه
المفضلين..البحر والقمر.. وعاش لحظات جميلة بين صورة القمر المضيء تلك
الليلة وبين صوت البحر الهادر..... وما إن غاب القمر .. ولم يبق إلا صوت
البحر يقرع سمعه حتى اتكأ على صخرة قريبة مغمضاً عينيه لوهلة.. ثم
فتحهما...... فكانت المفاجأة..
اقتربت من الشاطئ موجة
كبيرة...... وصلت مياهها إلى الفتى بعد أن التحمت أطرافها رويدا رويدا..
وإذا بها تحمل بين أعطافها سمكة كبيرة..... ارتاع بهجة والسمكة تستقر في
حضنه..... هذه هي السمكة التي حدثته عنها جدته..... أمسك بها بكلتا يديه...
تذكر أنه لم يصطحب معه السكين.. كان لجوجا عجولا.. فاختار أن يعصرها ليخرج
الجوهرة من بطنها.... اعتصرها بقوة.... قلبها رأسا على عقب... حوّلها ظهرا
لبطن... ضغط.. وضغط.. وضغط... دون أية فائدة.... إلا أن السمكة استطالت..
وتحوّل جزؤها العلوي إلى شكل أنثى.... واستدار وجهها بجمال آسر لم يسبق أن
رأته عيناه... حدّق فيها بكل حواسه...
يا إلهي.. هل هي حورية
البحر التي ستسحره كما أخبرته جدته؟ لكن كيف يمكنه الإفلات منها بعد أن
أمسكها وتماسّ بها؟ توقف عقله لبرهة طغت خلالها غرائزه البدائية فتساءل
بينه وبين نفسه: لماذا يتركها تفوت من بين أصابعه وهي بكل هذا الجمال؟
لماذا لا يتذوقها فقد يكون طعمها مختلفا عن بقية الأسماك؟ أليس الهجوم أفضل
طريقة للدفاع؟! فما المانع أن يتغذى بها قبل أن تتعشى به كما يقول المثل؟؟
لكنه تذكر أن أحداً ما
لم يخبره كيف تؤكل حورية البحر!! وبينما هو يفكر في الطريقة المثلى للإجهاز
عليها.... حانت منه التفاتة إلى عينيها..... ثبت نظره فيهما.. لم يعد قادرا
على الالتفات يمنة أو يسرة.. شعر بالخدر في أصابع يديه.. وامتد الخدر إلى
ذراعيه.. تحول الخدر إلى شلل كامل في الذراعين... نظر إليها بتوسل
قائلا: ارحميني أرجوك... أعدك أني لن أتخلص منك... لن أذبحك.. لن آكلك...
أعترف لك بذنبي فسامحيني......
لكن لا...... حورية
البحر نصفها السفلي سمكة.. أما نصفها العلوي فهو لامرأة.. ولديها بقية من
عقل... تذكرت حكايا جدتها ملكة البحر عن خداع البشر وقسوتهم وظلمهم
وأنانيتهم.. وما لبثت أن أدركت أنها معركة بين طرفين.. هو أو هي.. أحدهما
يجب أن ينتهي.. إذا أنهته بطريقتها فسيتحول إلى حجر.. وإذا تركته يقضي
عليها فستكون خاسرة .. وهي لا تسلم بالخسارة ولو كلفها ذلك حياتها.....
علقت عيناها به.......
واستمر بتوسلاته: ارحميني أرجوك... والله ما قصدت صيدك... أنت من أتيت
إلي.. انتهرته قائلة: أنت تعرف أني آتي ليلا.. فلماذا استلقيت هنا أيها
الغرّ الصغير؟
أجابها بنبرة متوسلة:
لقد أعجبني ضوء القمر... هذا كل ما في الأمر!!
ردت بقسوة: وهل القمر
يطلع نهارا أم ليلا؟ أنت الجاني على نفسك.... فأنت تعرف أني قمرية
المطلع...
استمر بتوسلاته:
أرجوك.. ارحميني... لن أعود إلى ذلك ثانية...
كان ذكيا رغم خبراته
المحدودة... هو يعلم أن حورية البحر أنثى.. فلا بد أن قلبا يدق بين
ضلوعها.. أدركته الحيلة أن أقصر طريق لقلب الأنثى هو أذنها.. لذا أخذ يضغط
بتوسلاته على سمعها كلما ضغطت هي بنظراتها على بصره...... ونجحت الحيلة إلى
حد ما.. فقد شعرت حورية البحر بحنان غريب لهذا الفتى الصغير........ خففت
من حزم نظراتها قائلة: سأتركك الآن... ذراعاك فقط تأثرتا بسحري.. أما باقي
جسدك فسأهبه لك... وإذا أردت أن تشفى فابحث عني في البحور السبعة.. فأنا
داؤك ودواؤك.. وداعا.
أفلتت من يديه ..
وتسللت بخفة إلى الوراء وارتمت متلاشية في موج البحر وكأن شيئا لم يكن.....
حاول الفتى أن يستجمع
قوته ليحرك ذراعيه لكن دون فائدة...... لقد تيبستا كليا..... مشى إلى منزله
عائدا.. لا يريد أن يراه أحد.. وإن كان مصيره أفضل بكثير من مصير أبطال قصص
جدته.. فعلى الأقل لم يتحول إلى حجر على الشاطئ يشهد على جور الإنسان وظلمه
وأنانيته.......
حاول أن يشفى من أثر
سحرها.. راجع كثيرا من الأطباء والشيوخ دون أن يجد حلا لمعضلته....
كبر الفتى.. وكبر جسده
.. إلا ذراعيه فقد بقيتا على حالهما يابستين قاسيتين - كقلبه – ولم يستطع
أن يحضن أحداً بهما منذ أن غادرته الساحرة!!